مهدي آل عثمان
يُعد الزواج أحد أهم الروابط الإنسانية التي تقوم عليها المجتمعات، فهو ليس مجرد علاقة عابرة تجمع بين شخصين، بل بناءٌ متكامل يُشيَّد عليه الاستقرار الأسري والاجتماعي، وتنمو في ظله حياة قائمة على السكينة والمودة والرحمة التي جعلها الله أساساً للعلاقة الزوجية. ومع تطور الحياة وتغيّر أنماط المعيشة، برزت ظاهرة تأخر الزواج لدى الشباب والفتيات بشكل لافت، حتى أصبحت هاجساً اجتماعياً يحتاج إلى وقفة تأمل ووعي، بعدما باتت الأعداد المتأخرة في الزواج تتزايد عاماً بعد عام، نتيجة أسباب متداخلة وواقع اجتماعي يتطلب إعادة النظر في كثير من العادات.
لقد كان الزواج في الزمن القريب أكثر يُسراً وأقرب منالاً، وكانت المجتمعات ترى في التيسير بركة، وفي تخفيف التكاليف باباً للستر والعفاف. أمّا اليوم، فقد أدّى الغلاء العام في تكاليف المعيشة إلى جعل قرار تكوين أسرة جديدة قراراً مُثقلاً بالالتزامات، وزاد من ذلك الارتفاع غير المبرر في المهور في بعض المناطق، وكأنها أصبحت معياراً للمكانة الاجتماعية، رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعظمُ النساء بركةً أيسرهنَّ مؤونة». وهو حديث يفتح الأبواب للحلول ويعيدنا إلى جوهر الزواج بعيداً عن المظاهر.
ومن أبرز أسباب تأخر الزواج كذلك المبالغات في حفلات الزواج وتكاليفها الباهظة من صالات وولائم وتجهيزات، حتى أصبح الشاب أو أسرته يقضون سنوات طويلة في الادخار أو الاقتراض لتغطية هذه المصاريف. ولا يقتصر العبء على الشباب وحدهم، بل تشاركهم الأسر في ذلك، ويبرز هنا الدور المحوري للنساء -زوجات وأمهات- اللواتي يشكِّلن جزءاً أساسياً من قرار الزواج وطبيعة التجهيز له، إذ إن كثيراً من المتطلبات المرتفعة مرتبطة بجانب النساء، سواء في الحفلات أو الملابس أو الهدايا أو تجهيزات المنزل. وهذا كله يمكن إعادة النظر فيه بما يحقق الهدف الأسمى: قيام بيت زوجي مستقر، لا حفلة مُبالغ فيها تُنسى بمجرد انقضاء ساعاتها.
ولا شك أن المرأة اليوم شريكة في القرار ومسؤولة عن تشكيل وعي اجتماعي جديد يسهم في تخفيف الأعباء وفتح أبواب الزواج أمام بناتنا وأبنائنا. فالزواج ليس ساحة لإبراز القدرة على الإنفاق، بل ميثاق غليظ يقوم على الرحمة والسكن. وإذا كنا نطالب الشباب بتحمّل المسؤولية والسعي نحو الزواج، فعلينا أيضاً أن نطالب الأسر «خاصة النساء» بتبني ثقافة التيسير والتخلي عن بعض العادات التي أصبحت حاجزاً حقيقياً أمام بناء البيوت.
ومن الجوانب المهمة كذلك أن الولائم التي تُقام في بعض الأعراس تتجاوز الحاجة بكثير، وينتهي جزء كبير منها إلى الهدر، بينما يمكن إعادة توجيهها بطريقة منظمة وصحية ليستفيد منها الجميع، سواء الحاضرون أو المحتاجون عبر مبادرات خيرية. وبهذا يتحقق جانب إنساني واجتماعي يعيد للمناسبة معناها الحقيقي ويخفف التكاليف ويزيد البركة.
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على الزواج والتيسير فيه، فقال: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغضُّ للبصر وأحصن للفرج»، وقال أيضاً: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه». وهذه التوجيهات النبوية تؤكد أن الأصل في الزواج هو اليسر، وأن التعقيد يفتح أبواب الفتنة ويؤدي إلى نتائج سلبية تمتد آثارها إلى المجتمع بأكمله.
إن مشكلة تأخر الزواج ليست شأناً خاصاً بالشباب وحدهم، بل هي قضية مجتمع تبدأ من ثقافة الأسر وتنتهي بوعي الأفراد. ومع تزايد أعداد الشباب والفتيات الذين تجاوزوا سن الزواج دون أن يجدوا فرصة مناسبة، بات من الضروري إعادة صياغة مفهوم الزواج بعيداً عن المظاهر المرهقة.
نحن بحاجة اليوم إلى خطاب اجتماعي جديد يُطلق من الجوامع والمجالس والمنابر الإعلامية والمدارس، يوجه الآباء والأمهات والنساء خصوصاً إلى تبني ثقافة التيسير، والنظر للزواج بوصفه مشروعاً إنسانياً يُبنى بالرحمة والمودة لا بالمباهاة.
إن بناء مجتمع مستقر يبدأ من أسرة مستقرة، والأسرة تبدأ بزواج ميسَّر يحقق السعادة ولا يكدس الديون. فالبركة لا تأتي من كثرة الإنفاق، بل من صدق النيَّة وقلة التكاليف، وحسبنا التوجيه النبوي الكريم: «أعظمهن بركة أيسرهن مؤونة». وإذا اجتمع وعي الشباب مع وعي الفتيات، وتكاتفت الأسر لتخفيف الأعباء، فسنشهد جيلاً أكثر قدرة على بناء حياته بثبات، في زمن كثرت فيه التحديات وتزايدت أعداد المتأخرين عن الزواج.