عبود بن علي ال زاحم
في عالم يزداد تعقيدًا وضغطًا، قد نظن أن الأنظمة الحديثة والهياكل القوية هي ما يصنع نجاح المؤسسات. لكن التجارب المهنية تكشف أن الإنسان هو الركيزة الأهم، وأن القائد القريب من فريقه هو العامل الحقيقي الذي يصنع الفرق. فالقيادة ليست منصبًا، بل ممارسة يومية تبدأ من القرب الإنساني: أن ترى ما لا يقال، وأن تشعر بما وراء المهام.
خلال أزمة صحية مررت بها، أدركت أن هذه اللحظة -رغم صعوبتها- حملت أعظم الدروس القيادية. ففي الوقت الذي تنشغل فيه المؤسسات بالنتائج، كان هناك قائد يطرق الباب ليسأل: «كيف حالك؟». لم يكن السؤال إجراءً بروتوكوليًا، بل تعبيرًا صادقًا عن اهتمام إنساني يصنع ولاءً لا يُشترى.
القائد الحقيقي هو الذي يحضر عندما يغيب الجميع. وجوده ليس دعمًا عابرًا، بل امتداد لأخلاق القيادة: الإصغاء، التعاطف، التقريب، والدعم غير المشروط. هذا النوع من القادة يجعل الموظف يعمل بدافع رد الجميل قبل الالتزام الوظيفي، لأن الإنسانية تسبق المسؤولية.
وفي المقابل، كانت التجربة الصحية تذكيرًا بأن العمل مسؤولية جماعية لا تتوقف على فرد، وأن الحفاظ على الحد الأدنى من الاستمرارية واجب مهني يحمي مصالح الآخرين. فقد وقف فريقي العزيز بمسؤولية عالية، سدّوا الفجوات، واستمروا في الإنجاز دون أن يجعلوا الظرف عبئًا. عندها أدركت أن الفريق الحقيقي ليس من يجتمع في غرفة الاجتماعات فقط، بل من يتساند في الأوقات التي تختبر جوهر العلاقات المهنية.
هذه التجربة أعادت تعريف النجاح المهني لديّ؛ النجاح ليس في عدد الإنجازات، بل في مقدار الأثر الإنساني الذي نتركه. أثمن ما يصنعه القائد هو شعور الموظف بالأمان في لحظة ضعف.
وتبقى الأسئلة الكبيرة أمام المؤسسات: كيف نخلق ثقافة قيادة إنسانية؟
الجواب ليس في اللوائح ولا المبادرات الكبرى، بل في الممارسات البسيطة:
الإصغاء الحقيقي
السؤال الصادق
التقدير قبل المحاسبة
والاعتراف بأن الموظف بشر قبل أن يكون «مورداً»
القرب من الفريق ليس مجاملة.. بل استراتيجية نجاح. والرحمة المهنية ليست ضعفًا.. بل قوة تصنع ولاءً لا يُشترى.
وفي الختام، يبقى جوهر الرسالة: القيادة إنسانية قبل أن تكون إدارية، وبالإنسان تبنى المؤسسات وتستقيم.