عبدالمجيد بن محمد العُمري
تتباين أذواق الشعوب في القهوة، كما تتباين طرق تحضيرها وإعدادها، ولكل مجتمع طريقته ومذاقه الخاص، فمن القهوة العربية التقليدية إلى القهوة الإيطالية الإسبريسو، ومن القهوة التركية إلى القهوة الأمريكية، تتنوع القهوة وتختلف من بلد إلى آخر.
ولكن ما يجمع بين هذه الطرق المتنوعة هو حب الناس للقهوة، واهتمامهم بتجربة مذاقات جديدة وطرق تحضير مختلفة، فالقهوة ليست مجرد مشروب، بل هي تجربة تذوقية وفنية، تجمع بين النكهة والرائحة والشكل.
الشاعر عبدالمجيد بن محمد العُمري أعلن ولاءه ومحبته للقهوة العربية السعودية وأنشد أبياتاً فيها مفضلاً إياها على القهوة السمراء، ثم جاراه وعارضه مجموعة من الشعراء ، ومازال الباب مفتوحاً لهذه المطارحات، ولكل إنسان أن يختار ما يراه مناسباً:
القهوةُ السوداءُ مرٌّ طعمُها
وكأنها خُلِطتْ بطعمِ الحنظلِ
أنا لستُ أهواها ولستُ مُريدها
حتى ولو سيقت إليِّ بمحفلِ
لكن قهوتنا الأصيلة دائماً
تبقى الأثيرة في المقامِ الأولِ
بالهيلِ أو بالزعفرانِ يحفها
والبعض يرغبها بطعمِ قرنفل
- عبدالمجيد بن محمد العُمري
كان الجواب الأول من أحد الإخوة في مصر وإن كان الشاهي هو الأثير عند الإخوة في مصر إلا أن هذا الشاعر من عشاق القهوة السمراء، فقال:
(للناسِ فيما يعشقون مذاهبٌ)
في ملبسٍ أو مشربٍ أو مأكلِ
كُلٌّ يرى في الشيء وفق مذاقهِ
ويقول هذا في المقامِ الأولِ
للقهوةِ السوداء في أقطارنا
قدرٌ عظيمٌ لا يقاس بمنزلِ
وكذاك عندكمُ طقوسٌ غيرها
وترونها مثل الرحيقِ السلسلِ
- مصطفى إبراهيم
ثم ينتصر الشاعر إبراهيم النشوان للقهودة العربية السعودية، ويقول فيها:
تُهدى الأحاديثُ الجميلةُ عندها
ويطيبُ فيها الجمعُ دونَ تبذلِ
من غيرِها لا يكتملُ جمع الإخا
إن كان بالصحراء أو في المنزل
فهي الأثيرة و العـزيزة عندنا
والسرُّ في طعْمِ المذاقِ الأوّلِ
تُسكبْ على مهلٍ، كأنّ سكوبها
نُطقُ الوقارِ و روعةُ المتأمِّلِ
- إبراهيم النشوان
ومن ضفاف المنطقة الشرقية يعاود الكرة أحد متذوقي وعاشقي القهوة السمراء وأحد الشعراء من أبناء الشام المقيم بمدينة الدمام فيقول:
لا شيء يعدل قهوة تركية
بالهال أو بالمستكات الأفضل
في الصبح أشربها بفنجان الهوى
صنعته لي أم العيال بمنقل
لا سكر فيه ولا عسل يرى
لكنه شهد يقول: تعال لي
في كل فنجان لدي حكاية
تحكي صنوف الحب دون تبذل
وكذاك في الإمساء لي واحد
تلقاه نافس صنوه في المجمل
وأقلب الفنجان دون قراءة
فأرى به سطرين من حب جلي
وأرى به نبضا بهمس فؤادها
قد كان نبض العاشق المتوسل
كم ذا قرأت به قصيدة مغرم
جاءت توافيني بما لم ينقل
يا قهوة شاركت حب قلوبنا
«ما الحب إلا للحبيب الأول»
محمد عصام علوش - الدمام
من أقصى الغرب الأفريقي، وفي الركن القصي المحاذي للمحيطات و وتحديداً من جمهورية السنغال الشقيقة يعلن الدكتور محمد أبو بكر حياده فيقول:
هي في الأخيرِ وفي الخُلاصةِ قهوةٌ
وأنا بتَحضيراتها لمْ أحْفَل
عربيَّةً عجميّةً سوداء أو
سمراءَ تحلو أو كطعمِ الحَنْظلِ
لكنَّ ما أهواهُ فيها جوُّها
نُدماؤنا فيها بأطيبِ منزلِ
فإذا القلوبُ صفَتْ بصِدْقِ مودَّةٍ
فأنا النَّديمُ لشاربٍ متَفَضِّلِ
- د. محمد أبوبكر صو
ويأتي الشاعر السعودي الأستاذ حمد العماري رافعاً راية القهودة العربية السعودية الشقراء ويقول:
القهوة السوداء هاتيك التي
شرٌّ المذاق كطعم حب الحنظل
لا لم تروق لذائق يهوى كما
تسمو الأصيلة من زمان أولِ
للقهوة الشقراء طعم رائعٌ
عطر المكان وكيف (أهل تفضلِ)
تبقى مفضلتي ويبقى شربها
أما سواها كذبة لم تنطلِ
- حمد بن محمد العماري
وقد كانت قافيتنا على اللام المكسورة، ولكن شاعر المهجر الأستاذ محمد خليل طربين من أبناء لبنان المهاجرين إلى جمهورية كولومبيا قد ضم اللام كماضمَّ القهوة إلى قلبه، فقال:
بُنِّيَّةٌ.. عن لَونِها البُنَّ اسألوا
أتخالُها سوداءَ عينٌ تغفلُ
كم أعينٍ تجلو النُّعاسَ برشفِها
والذَّوقُ عنها كلَّ صُبحٍ يُسألُ
وكأنّها عَسَلٌ أتى من حنظلٍ
والنّحلُ فوق زهورهِ تَتنقَّلُ
أزهارهُ الصّفراءُ ليست مُرَّةً
بل صار مُرّاً بعد عَقدٍ حنظلُ
إنّي لأعشقُ مُرَّةً في دَلَّةٍ
صفراءَ فوقَ جمارِها تتقلقَلُ
لا تُفسِدوا الطّعمَ اللذيذَ بسُكَّرٍ
فالمُرُّ منها في اللذاذةِ أوََلُ
ويزيدُها أهلاً وسهلاً هالُها
أدرى بمعناها السَّوادُ المُقبِلُ
إذا أتى دُورَ الكرامِ فإنّهُ
ضيفٌ لهم في قهوةٍ يُستَقبَلُ
فِنحانُ ضَيفٍ ثُمَّ كَيفٍ بعد ذا
فنحانُ سيفٍ دون ضيفٍ يُصقَلُ
عاداتُ قومٍ لم يغيِّرْها سوى
مَن كان عاداتِ الأوائلِ يَجهلُ
محمد خليل طربين - برّنكِيّا - كولومبيا
وإذا كان للقهوة العربية السعودية النصيب الأكبر من الشغف والاهتمام في بلادنا، فإن هناك من يعشق القهوة السمراء في بلادنا والدليل كثرة محلات القهوة في شوارعنا بل و توافر أجهزة إعداها في المنازل، والشيخ محمد المطرودي أحد هواتها أنشد لها قائلاً:
يا عائبا لسواد قهوتنا التي
فيها شفاء النفس بعد تعلل
أو ماتراها وهي في فنجانها
تحكي سواد العين عين الأنجلِ
سأظل عاشقها وأهوى رشفها
وهي الأثيرة في المقام الأولِ
خذ ما تشاء ولي أنا ما أشتهي
قم فاسقنيها مثل لون الحوملِ(1)
- محمد المطرودي
(1) الحَوْملُ :السحابُ الأَسود من كثرة مائه
وبعد هذه الآراء المتباينة في عشق القهوة بكافة أنواعها وطقوسها أثني على قول الإخوة جميعاً بهذه الأبيات فأقول:
ولكلِّ قومٍ في الهوى أعرافُهم
ومقامُهم في ذوقِهم لم يُنقلِ
فالبعضُ يعشقها بدونِ منكَّهٍ
والبعضُ ينفرُ من مذاقِ الحنظلِ
لكنّها تبقى على عرشِ الهوى
تُنسيكَ ما في القلبِ من همٍّ جَلي
ولكل نفس ذوقها ومزاجها
طبعٌ تباين منذ عصرِ الأُوَلِ
- عبدالمجيد بن محمد العُمري