صالح الشادي
عندما تتخالف الآراء الطبية وتتجلى التناقضات بين المتخصصين حول تشخيص مرض ما أو تأثير دواء ما في جميع مستشفيات العام وبين أطيافها، يصبح المريض أشبه بريشة في مهبّ رياح متعاكسة: طبيب يوصي بالفيتامينات كنُصرة للجسد، وآخر يحذر منها كتهديد للكلى، وثالث يرفعها إلى مرتبة الدواء السحري.
وفي بحر الأبحاث العلمية، تُنشر دراسة كل يوم لتُقلِبَ دراسةً سابقة، وكأن الحقيقة الطبية كائن متقلب لا يستقر على حال.
لننظر أولاً إلى جذور الإشكالية: العلم الطبي -في جوهره- ليس كتاباً مغلقاً بل رحلة دائمة من الاكتشاف. فالباحثون يبنون فرضيات على أساس ما توصلوا إليه، وقد تُظهر الأبحاث اللاحقة ثغرات في ما سبق، وهذا ليس ضعفاً، بل هو قوة المنهج العلمي القائم على التصحيح الذاتي.
بعض التناقضات تعكس تطوراً في المنهجية، أو اختلافاً في عينات الدراسة، أو تفاوتاً في الظروف الاجتماعية والجينية للمجتمعات التي تُجرى عليها الأبحاث.
لكن التناقض لا يعود للعلم وحده؛ فهناك العامل البشري بكل تعقيداته. طبيب يبالغ في التشخيص بدافع الحذر المفرط، وآخر يتهاون خوفاً من إثارة قلق المريض. وهناك من ينجرف وراء موضة طبية جديدة دون تمحيص كاف، أو يتبنى آراء متطرفة تحت تأثير مؤتمرات ممولة من شركات دوائية مثلا .
هنا يموت صوت الضمير العلمي أحياناً تحت وطأة العواطف أو التجارة أو حتى الرغبة في الشهرة.
وتمتد المشكلة إلى فضاء أوسع: «الأطباء» الشعبيون الذين يقدمون وعوداً شافية بأعشاب مجهولة التركيب، وهواة الصحة على وسائل التواصل الذين يحولون الخبرات الشخصية إلى وصايا عامة، ودخلاء على العلم يروجون لنظريات مؤامرة ترفض كل ما هو مؤسسي. والعجيب المضحك أن هؤلاء أيضاً يتناقضون فيما بينهم، مما يزيد الحيرة والضياع.
في هذا المشهد العاكر ، ليس الحل في رفض الطب الحديث أو الانغلاق على الآراء الشعبية، بل في تبني عقلية واعية:
1 - تفهم طبيعة العلم: تقبل أن الطب ليس علماً قطعياً دائماً، وأن وجود آراء متضاربة -في حدود- قد يكون دليلاً على صحة البحث العلمي الذي لا يتوقف عند حقيقة واحدة.
2 - البحث عن المشترك لا المختلف: غالباً ما تجد في تضارب الآراء نقاطاً مشتركة يتفق عليها الجميع؛ ركز عليها فهي عادةً الأساس المتين.
3 - الطبيب المُرشد لا الحَكَم: اختر طبيباً لا يفرض رأياً وحيداً، بل يشرح لك الخيارات والمخاطر، ويعترف عندما تكون الإجابة غير واضحة. الثقة يجب أن تكون في منهجه العلمي وشفافيته، لا في ادعائه المعصومية.
4 - التوازن بين المصادر: استمع إلى الطب المؤسسي المدعوم بالأدلة، لكن بحس نقدي. لا ترفض كل ما هو تقليدي أو تكميلي، لكن اطلب الدليل والسلامة.
5 - عد إلى الفطرة والمنطق: كما تذكر، هناك حكمة داخلية تستشعر ما يناسب جسدك. الاستماع للجسد مع العقل -لا بدونه- طريق للتوازن. اقرأ وافهم، ولكن لا تغرق في التفاصيل حتى تفقد بوصلة وعيك العقلي.
6 - الوسطية: احذر من التطرف سواء في رفض الطب الحديث أو في تبني كل جديد دون تمحيص. الحكمة ضالة المؤمن.
في النهاية، صحتك مسؤوليتك الأولى. في زمن الضجيج الطبي، كن أنت مركز القرار الواعي، الذي يجمع بين ثقته في العلم وحدسه الشخصي، بين احترامه للتخصص ومسؤوليته تجاه جسده. ليست الحقيقة دوماً في طرف واحد، بل غالباً في المنطقة الرمادية حيث يتلاقى المنطق مع التواضع العلمي.