د. رانيا القرعاوي
إذا كان هناك مثال ناجح على نجاح التواصل الإستراتيجي والعلاقات العامة في صناعة منتج ناجح، فسيكون دافوس أكبر مثال.
دافوس ليس مجرد مؤتمر يتضمن جلسات، تلتقط فيها الصور وتُكتب عنها الأخبار، بل هو الدليل الأوضح على أن الاتصال الإستراتيجي قوة تمتلك أثرًا يستمر حتى مع انتهاء المؤتمر.
وفقًا لبيانات المنتدى، يجمع الاجتماع السنوي قرابة 3,000 مشارك من أكثر من 130 دولة، وهو رقم يعكس ليس حجمًا تنظيميًا فقط، بل كثافة غير معتادة في حضور أصحاب القرار في السياسة والاقتصاد والأعمال في وقت واحد. وفي نسخة 2026 تحديدًا، أشارت بيانات المنتدى إلى حضور 64 رئيس دولة وحكومة، إضافة إلى نحو 830 من كبار الرؤساء التنفيذيين ورؤساء مجالس الإدارات. هذه تعكس معنى النفوذ وكيف يتحول مؤتمر إلى منصة عملية تجمع بين الاقتصاد والسياسة.
علينا أن نفرق هنا بين «دافوس كحدث» و»المنتدى الاقتصادي العالمي كمؤسسة تعمل طوال العام». فالمنتدى لا يقدّم نفسه بوصفه أيامًا من النقاش فقط، بل باعتباره منظومة برامج ومبادرات تشغيلية ممتدة تُبنى عليها مشاريع وشراكات.
وتشير تقاريره السنوية إلى أن بعض مبادراته المرتبطة بالتصنيع وسلاسل الإمداد والتحولات الاقتصادية ساهمت في حماية وخلق 4.3 مليون وظيفة، وإضافة 498 مليار دولار للناتج العالمي، ورغم اختلاف الآراء حول من يستفيد أكثر من هذه المنصات عالميًا، إلا أن القيمة الاتصالية لهذا النوع من الأرقام تثبت أن المنتدى يسعى إلى تقديم أثر قابل للقياس، لا مجرد حضور بروتوكولي أو زخم إعلامي.
التأثير الحقيقي لأي مؤتمر لا تصنعه كثافة الحضور او تعدد الجلسات، بل تصنعه القدرة على توحيد اللغة والرؤية بين الأطراف المؤثرة. ويتجلى ذلك بأكثر أشكاله وضوحًا حين يختار مسؤول أو قائد أن يتحدث بلغته في منصة دولية، ليس بوصفه استثناءً ثقافيًا، بل بوصفه رسالة سيادية:
نجح القائمون على إعداد كلمة معالي وزير الاقتصاد والتخطيط ، واختيارهم إقحام اقتباس للملك المؤسس -طيب الله ثراه-، «القوة القوة لا بارك الله في الضعف»، في التأثير على حضور المؤتمر، بشكل علق في أذهان الجميع.
ومع الإعلان عن عقد المنتدى الاقتصادي العالمي في جدة في أبريل القادم، يتولد السؤال الذي يشغل خبراء الاتصال الاستراتيجي، كيف نصنع «دافوس سعوديًا»؟
كمتخصصة في التواصل الاستراتيجي، فإن المؤتمرات الكبرى لا تُقاس بعدد جلساتها، بل بقدرتها على صناعة شراكات وقرارات.
فجوهر نجاح دافوس أنه أقنع العالم أن الذهاب إليه كضرورة لتحديث العلاقات وبناء الثقة والوصول لتفاهم مشترك حول التحديات الاقتصادية الراهنة.
القائمون على دافوس في جدة، سينجحون إذا تعاملوا مع الحدث ليس كحدث موسمي للاحتفاء بالإنجازات، بل ببناء سردية وطنية واضحة تعرّف ما الذي تريده السعودية من الاقتصاد العالمي خلال العقد القادم، وسردية عالمية مشتركة تُظهر ما الذي يمكن للعالم أن يبنيه مع السعودية، لا ما الذي يمكن أن يبيعه لها فقط، ثم آليات تنفيذ تُقاس سنويًا بما تحقق فعليًا من تحالفات ومشاريع بدأت، لا بما وُعد به في البيانات. وهذا يستدعي هندسة دقيقة للحوارات متخصصين في المتابعة وإدارة المشاريع لكي لا تبقى الجلسات منصات رأي، بل تصبح منصات مواءمة تجمع الحكومات والمستثمرين والشركات التقنية والقطاعات الناشئة، مع آلية متابعة بعد الحدث: متى تعلن الشراكات؟ من يتابعها؟ وكيف يُعرض التقدم للرأي العام العالمي لا بشكل عنوان لافت بل بشكل مشروع يبدأ ويترك أثر.
في النهاية، أثبت دافوس أن العلاقات العامة لم تعد قنوات ولا حملات، بل قدرة على بناء توافقات. وإذا نجحنا في تحويل جدة إلى محطة حوار عالمي ذات أثر، وتحويل مبادرة مستقبل الاستثمار إلى نظام سنوي لصناعة الشراكات، فسنكون لم ننقل تجربة دافوس، بل بنينا نموذجا ناجحا بنكهة سعودية.