م. بدر بن ناصر الحمدان
في 9 سبتمبر 2019 كتبت مقالاً بعنوان «منطقة عسير عقلية جديدة في إدارة المدن» تحدثت فيه عن ملامح الحراك الحضري في المنطقة آنذاك، وكيف استطاعت إدارتها أن تقدم أسلوباً مختلفاً في إدارة التنمية المحلية، وأن تُحدث تحولاً في عقلية إدارة المدن على مستوى البعد المكاني على وجه الخصوص، والذي بدأ -على غير العادة- من الأسفل إلى الأعلى.
كان مُثيرا للدهشة بعد مرور كل هذه السنوات أن عسير بقيت «على وعدها» بالالتزام بالتخطيط بعيد المدى كمنهج عمل لصناعة واتخاذ القرار في تنميتها المستقبلية، ولم تتنازل عنه أبداً، ولم تغرق في بيروقراطية العمل اليومي، كما يحدث عادة لمسيري المدن عند مواجهة التحديات التي هي جزء من منظومة وطبيعة العمل، أو السعي للبحث عن مكاسب سريعة غير مستدامة.
لقد بدا الأمر اليوم أكثر مسؤولية حينما بات جعل الناس مصدراً للتخطيط قراراً وليس خياراً، الجميع بلا استثناء (مجتمع محلي، قطاعات حكومية وخاصة، خبراء ومختصون، جامعات ومراكز أبحاث وغيرهم) تواجدوا من أجل أن يكونوا صناع قرار في رحلة بناء مستقبل عسير.
ورشة صياغة الرؤية التخطيطية للمخطط الإقليمي والحضري والمخططات المحلية للمنطقة التي نظمتها هيئة التطوير الأسبوع الماضي، كانت عبارة عن 16 ساعة عمل مُكثفة ومركزة وبأسلوب مُبتكر على مدى يومين، برهنت لنا أننا لم نذهب هناك من أجل النزهة ولا لتمثيل قطاعاتنا فحسب، بل لتحمّل مسؤولية الالتزام بمستقبل مدن أخذت على عاتقها أن «تزدهر» كما يقول أميرها، ما يحدث اليوم هو مستوى متقدم من فهم المكان ومن يعيش فيه، وإنصاف كبير لعلم تخطيط وإدارة المدن بنسخة عملية لا تتكرر كثيراً.
يمكن القول إن مناخ الإدارة الحضرية في منطقة عسير أمر لافت للانتباه، المجتمع هناك تحوّل من مستهلك إلى مسؤول، لا أحد في الظل، الجميع قد تجاوز «منطقة الراحة»، ومسؤولي أجهزتها بمختلف اختصاصاتها اجتازوا اختبار المشهد الأول منذ زمن وأثبتوا أنهم الأكفأ لإدارتها، هناك ثمة إيمان أن الأشياء العظيمة تستحق وقتاً، وأن عمارة النفس الطويل هي من سيضمن صعود عسير.
يقول باتريك غيديس «نحن نخطط مع الناس، لا من أجلهم»، وأنا أقول «نخطط مع الناس ومن أجلهم».