مرفت بخاري
ليست كل الرحلات تُقاس بعدد الأميال ولا كل الأسفار تحتاج إلى جواز سفر مختوم. هناك سفر يبدأ من القلب قبل أن يصل إلى الحدود، وحين تطأ قدمك المدينة العالمية بالدمام تدرك أن العالم أقرب مما تخيلت هنا، لا يُسأل الزائر عن عدد البلدان التي زارها، بل يُمنح فرصة أن يراها كلها في مساحة واحدة، في تجربة إنسانية تمنح من لم تسعفه الظروف أو الإمكانات المادية فرصة الاكتشاف. ينتقل الزائر بخطوات قليلة من جناح إلى آخر، من موسيقى بلد لم يسمعها إلا عبر الشاشات، إلى روائح طعام تحكي حكايات شعوب كاملة، وإلى تفاصيل معمارية وأزياء تقرِّب المسافات وتفتح آفاقًا جديدة. إنها جولة ثقافية تمنح إحساس العوض، وتؤكد أن المعرفة والمتعة حق للجميع، لا امتياز محدود، وأن القلب قد يسافر حتى حين يبقى الجسد في مدينته. في مساء شتوي دافئ، وتحديدًا في 29 ديسمبر 2025، شهدت الدمام ياقوتة المنطقة الشرقية جذر الخليج ومنبعه تدشين المرحلة الأولى من المشروع بحضور صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز، أمير المنطقة الشرقية، الذي تجول في أروقة المدينة، متابعًا كل جناح وكل تفاصيل صغيرة وكبيرة، معبرًا عن دعم القيادة لمثل هذه المشاريع التي ترتقي بالمدينة وتضعها على خارطة السياحة والثقافة. سموه شدَّد على أن المدينة العالمية ليست مجرد متنفس للترفيه، بل مشروعًا يساهم في تنويع الاقتصاد، وخلق فرص استثمارية ووظيفية، وتعزيز جودة الحياة للمواطنين والزوار على حد سواء، مؤكدًا أن مثل هذه المشاريع تصنع بيئة نابضة بالحياة وتشجع على الابتكار والاستكشاف، وتظهر للزوار أن الدمام يمكن أن تكون ملتقى عالميًا للثقافات والمعرفة.
تحتضن المدينة في مرحلتها الأولى أجنحة دولية تعكس حضارات من الخليج وآسيا وأوروبا وإفريقيا، وبحيرة مركزية تنعكس عليها الأضواء تتزيَّن بمقهى عائم، يسلب القلوب والنبضات، ومسرحًا مفتوحًا للعروض الحيَّة، ومساحات واسعة للعب والترفيه العائلي، ومطاعم عالمية تقدِّم تجارب طعام من شتى أنحاء العالم. ومع كل خطوة بين الأجنحة، يحس الزائر أنه يجتاز الحدود ويغوص في ثقافات جديدة، وأن كل تجربة هنا أكثر من مجرد مشاهدة، بل انخراط حسي ومعرفي في عالم آخر دون أن يغادر مدينته.
الموسم الأول، رغم انطلاقه في الشتاء مستفيدًا من الأجواء المعتدلة، لا يمثِّل نهاية أو فعالية عابرة، بل بداية لمشروع طويل الأمد، صُمِّم ليبقى ويتوسع ويصبح جزءًا دائمًا من المشهد الحضاري والثقافي للمنطقة الشرقية، المدينة هنا ليست فقط مكانًا للترفيه، بل مساحة لإعادة اكتشاف الحياة، ومساحة لكل أسرة لتشارك الضحكة والدهشة واللحظة نفسها بعيدًا عن ضغوط الحياة اليومية، لتصبح الروابط الأسرية أقوى، والتجربة أكثر ثراءً، والترفيه منظمًا جزءًا من جودة الحياة وليس رفاهية تُضاف عند الحاجة.
ولضمان وصول التجربة لكل من يرغب، أُنشئت آليات حجز إلكتروني مسبق، تتيح للجميع دخول المدينة بسلاسة، وتضمن تنظيم الزيارات دون أن يفقد المكان روحه المفتوحة للجميع. فالمدينة العالمية بالدمام ليست مجرد مشروع ترفيهي، بل تجربة حياتية تنقل الإنسان إلى فضاء جديد، وتزرع فيه فضولًا ووعيًا وثقافة، وتعيد للمدينة روح الحركة واللقاء والانفتاح الحضاري.
قد يظن البعض أن فكرة المدن العالمية ليست جديدة، وأنها موجودة في عواصم ومدن حول العالم، وهذا صحيح، فهي فكرة متكررة لكن الجديد والمبهر يكمن في أن الدمام، في قلب المنطقة الشرقية، أصبحت تمتلك نافذتها الخاصة على العالم. لم يعد على الزائر أن يسافر مسافات طويلة أو يجهد نفسه بين الحدود والقارات، فالعالم هنا، أمامه، يمشي بين يديه بخطوات قليلة، يلمسه ويستمع إليه ويشم رائحته ويذوقه، دون أن يغادر مدينته.
المدينة العالمية في الدمام ليست مجرد مشروع ترفيهي أو وجهة سياحية، بل تحفة حضارية تجمع الشعوب في مكان واحد، وتفتح للإنسان أبواب المعرفة والاكتشاف والدهشة. هي تجربة تثري الروح، وتمنح كل زائر شعورًا بالانتماء، وتجعل الفرح والتعليم واللعب والجمال جزءًا من يومه. هنا، يلتقي الفرد بالعالم كما لو كان يزرع قلبه على خريطة الكون، ويكتشف أن المتعة والثقافة يمكن أن تتعانقان في مكان واحد، وأن الحلم بالسفر قد تحقق بطريقة مختلفة، أيسر، وأكثر دفئًا واحتواءً لكل من لم تتح له الفرصة قبلاً.
في هذه المساحة، أصبح العالم قريبًا، والأحلام ممكنة، والدهشة جزءًا من الروتين اليومي، لتصبح المدينة العالمية بالدمام رمزًا للفخر المحلي، والانفتاح العالمي، وتجربة إنسانية لا تُنسى، حيث تتحول خطوات الزائر بين الأجنحة إلى رحلة عبر القارات، وتصبح الذكرى رحلة دائمة في القلب قبل أن تكون في أي مكان على الأرض.
ولعل أكثر ما يجول بخاطري طيلة كتابة هذا المقال سؤال يطرح نفسه: ترى ماذا لو كان بإمكانك أن تمشي بين أجنحة العالم، ثم فجأة تجد نفسك في قلب سوق عكاظ القديم، حيث يتردد صدى الخطى بين أكشاك الحرفيين، وتتعالى أصوات الشعراء وهم يلقون أبياتهم كما كان يحدث قبل قرون، وتنساب الحكايات من الحجارة العتيقة كما لو كانت تنبض بالحياة؟ ماذا لو أصبح الزائر هنا جزءًا من سرد تاريخ الشعوب، يرى كيف تقاطعت طرق التجار من الشرق إلى الغرب، وكيف تشارك البشر المعرفة والقصص والأحلام عبر الأزمنة؟ في هذه اللحظة، لا يعود المكان مجرد وجهة ترفيهية، بل يصبح نافذة على العالم، حيث يمكن للإنسان أن يرى الجذور المشتركة للثقافات ويشعر بروح الأخوة التي تربط الشعوب بعضها ببعض.
في كل ركن من أركان المدينة، تنكشف قصة، أحيانًا لأمة بعينها، وأحيانًا لتاريخ حافل بالصراعات والانتصارات، لكنها جميعًا تحكي عن الإنسانية المشتركة: التبادل، التعلّم، والتواصل. هنا، يتعرَّف الزائر على تقاليد قديمة، على قصص تجار وأدباء، على قصص اختراعات وحروب وسلام، ليجد نفسه مرتبطًا بما هو أعمق من مجرد الانبهار البصري أو المرح العابر. كل جناح، كل ركن، هو فرصة لإعادة رؤية العالم بعين واعية، بعقل متفتح، وبروح فضولية، حيث تصبح الرحلة التعليمية والترفيهية تجربة تجعل قلوب الناس أقرب، وتعزِّز أواصر الأخوة بين الشعوب، وكأن التاريخ والمعاصرة يجتمعان في لوحة حيَّة تروي أن الإنسان قادر دائمًا على التعلُّم، على التواصل، وعلى بناء جسور جديدة مليئة بالحياة والمعرفة والوعي والمتعة.