د.عبدالله بن موسى الطاير
أدركت بوعي بعض الأحداث المفصلية التي أحدثت تغييرات جيوسياسية وأمنية كبيرة، أذكر منها الحملة الدولية لدعم فصائل المجاهدين في أفغانستان، كواحدة من معالم الحرب الباردة المستعرة بين المعسكرين الغربي والشرقي، وترتيبات مكافحة الإرهاب التي أعقبت أحداث 11 سبتمبر 2001م، واجتياح العراق عام 2003م، وإسقاط الأنظمة في تونس وليبيا ومصر إبان ما سمي الربيع العربي، وحرب إسرائيل على غزة، والضربة العسكرية الإسرائيلية الأمريكية المزدوجة على إيران العام الفائت.
إن تحليل تلك الوقائع، وغيرها، يقود إلى استخلاص نمط متكرر من آليات الحشد والتعبئة، يتجاوز اختلاف السياقات الزمنية وتباين الفاعلين، ويهدف في جوهره إلى توفير أطر تبريرية تُسهم في تهيئة الرأي العام وتخفيف الأعباء الأخلاقية المصاحبة للقرارات المتخذة.
تبذل الدول المعتدية جهدا كبيرا لإقناع مواطنيها والعالم بأن استخدام القوة العسكرية، أو تغيير الأنظمة، أو الغزو المباشر ليس جائزا فحسب، بل ضروري. وتسلك من أجل ذلك مسارا مستقرا من التحركات الخطابية والسياسية والقانونية والمؤسسية التي تحوّل الطموح الجامح إلى شيء يقبله الكثيرون، إن لم يتبنّوه.
ردود الفعل الداخلية السلبية بسبب الخسائر والتكاليف، وتردد الحلفاء في تقاسم المخاطر، والمعارضة الدولية في الأمم المتحدة تعتبر معيقات للعدوان. لذلك تلجأ الدول إلى العمل الاستباقي بصياغة سردية تُصوّر القوة الصلبة على أنها ضرورة لا بد منها للأمن، وأنها أخلاقية لحماية الأبرياء، وقانونية بفضل الغطاء الإجرائي داخل المنظمات الدولية كمجلس الأمن، وأنها فعّالة وسريعة، وجماعية وليست عملا أحاديا.
هذه السردية تطورت على مدى عقود، مستندة إلى سوابق تتراوح بين مبررات الغزو القديمة والحملات الرقمية الحديثة.
تقوم وسائل الإعلام، بأنواعها، بدائية كانت أو حديثة ببناء قصص مقبولة، متبعة أساليب متكررة كتضخّيم التهديدات والمخاطر، وافتراض هجمات وشيكة، ووجود أسلحة دمار شامل، وصلات بالإرهاب، أو المخدرات، أو تحوطا من فوضى دولة مارقة.
إنها عملية تأطير أخلاقي مسبق لتبرير العدوان على أنه إنقاذ إنساني، وتحشد لتمريره نصوصا دولية ودينية تعظّم مسؤولية حماية المدنيين وسط مزاعم مبالغ فيها عن الفظائع التي تمرر للإعلام عن طريق مجالس ومؤسسات حقوق الإنسان الدولية على ألسنة مندوبي الدول المتحالفة، ومعارضي الدولة المستهدفة، وعادة ما تستخدم حرية التعبير في الدولة الهدف لتثبيت الاتهامات من خلال تضخيم وإعادة تفسير ما تبثه وسائل إعلامها.
يُصوّر القادة على أنهم أشرار، كهتلر، وصدام، وما دورو، ومعادين للسامية، وطغاة، في محاولة لفصلهم عن شعوبهم لإضفاء طابع التحرير على تغيير النظم. تضج المنابر بالخطب التي تعتمد على معلومات منتقاة بعناية، ولغة مؤثرة، ومعلومات استخباراتية ذات مصداقية، وروايات منشقين سياسيين.
في المقابل، يُهمّش الرأي المخالف لسردية الحرب، ويُعتبر المعارضون لها سذجا لا يفهمون، وربما يتهمون بعدم الوطنية أو حتى الخيانة.
بعد تحقيق قدر مناسب من حشد الرأي العام، تبدأ الخطوة التالية وهي التعبئة السياسية المحلية، حيث يعمل المسؤولون التنفيذيون على صياغة الوثائق القانونية لشرعنة الحرب، والتوافق مع النخب السياسية لضمان التمويل، وإعداد قرارات الطوارئ.
على الصعيد الدولي، يكون تفويض مجلس الأمن هو الطريق المعبد للحرب، وفي حال استخدام الفيتو من طرف معارض، تظهر بدائل أخرى كالقياس على السوابق من المجلس ذاته، أو اللجوء إلى المنظمات الإقليمية، أو تحالفات الراغبين، ويتزامن مع ذلك اختلاق حجج تسوغ المضي قدما مثل «غير قانوني ولكنه مشروع».
تُشكّل العقوبات وعمليات التفتيش ومواعيد الامتثال النهائية دليلاً قاطعا على حتمية الحرب كما حدث في العراق عام 2003م. وفي العراق ذاته انتقل التركيز بعد الهجوم العسكري إلى إحكام السيطرة اللاحقة كوصاية بريمر، والأطر الانتقالية، والوعود بالديموقراطية، وإعادة بناء الأمن، والنفوذ الاقتصادي.
عند حد الوعود ظهرت فجوة التحرير، حيث تلاشى الامتنان بالاستقرار والتحول الديموقراطي مع زيادة المعاناة الإنسانية، وتصفية الحسابات الشخصية والطائفية، وانزلق البلد إلى تمرد وتشرذم، وفوضى عارمة. السيناريو ذاته تكرر في ليبيا.
كشفت حالات مثل خليج تونكين عام 1964م، والعراق عام 2003م، وليبيا عام 2011م، وروسيا في غزوها لأوكرانيا عام 2022م نجاح آلية الحشد أحيانا، وفشلها في كثير من الأحيان. الروايات المتماسكة تزدهر وسط حالة عدم اليقين، وتنحني المؤسسات أمام زخم الأزمة، ويعمد الحلفاء إلى التبرير والتغطية، لكنّ المبالغات سرعان ما تتهاوى، كاختفاء أسلحة الدمار الشامل في العراق، وإلحاق الضرر بالمدنيين مما قوض المزاعم الإنسانية، وتوسّع نطاق المهمة ليكشف عن دوافع خفية.
إن فهم آليات الحشد، وبناء الروايات يفترض به أن يكشف حملات التضليل، ويزيد مساحة الوعي العام، ويدفع بالمساءلة على أساس أن العدوان وتغيير الأنظمة ليسا حتميين وإنما خياران يُسوّقان من خلال قصص مُحكمة البناء، ويخلفان عواقب تعاني منها لأجيال، إلا أن الخطاب الشعبوي السائد، وبخاصة على شبكات التواصل الاجتماعي ومن فوق قمة هرم المسؤولية في دول عظمى، يوضح أن التجهيل المتعمد له أتباع يتمتعون بمقاومة شرسة للوعي، وأن دولا ماضية في هذا المسار، وأخرى مستهدفة به.