د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
غلبت السياسة على الاقتصاد في أعمال الـ56 للمنتدى الاقتصادي العالمي تحت شعار روح الحوار يحمل الرئيس الأمريكي رسالة أوسع من التجارة، تمتد إلى ترسيخ النفوذ الأمريكي وإعادة رسم التوازنات الدولية، يتحدى الرئيس ترمب الـ47 أسس القانون الدولي الذي ساهمت أمريكا في صياغته وترسيخه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وانسحاب ترمب من 66 اتفاقية دولية على طرف النقيض من رسالة المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يرفع التعاون متعدد الأقطاب شعارا تأسيسيا له، في ظل الشكوك التي خيمت على مستقبل المنتدى وقدرته على الاحتفاظ بدوره ،لكن افتتح المنتدى في 19-1-2026 بمشاركة قياسية تعد الأعلى منذ تأسيسه في سبعينيات القرن المنصرم.
تعزز السعودية ثقلها الدولي في دافوس 2026 بوفد رفيع المستوى في مدينة دافوس السويسرية برئاسة وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، في ظل متغيرات عالمية متسارعة وتحديات جيوسياسية وتقنية، وبروز فرص جديدة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنية الحيوية، والطاقة النظيفة، هدف الوفد السعودي تعزيز الحوار الفعال والتعاون المشترك مع قادة الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني، والأوساط الأكاديمية لتعزيز الاستقرار والازدهار الدوليين، وبناء اقتصاد عالمي أكثر استدامة وعدلا، وهي بهذه المشاركة تجسد دورها المحوري في صياغة الأجندة الاقتصادية العالمية، تستهدف مأسسة التعاون الدولي عبر صياغة نماذج اقتصادية تشاركية تضمن استدامة النمو التحولي.
في دافوس قدمت السعودية للعالم خريطة طريق استثنائية حولت الطموح إلى واقع ملوس، من مرحلة الإصلاح الهيكلي إلى كفاءة التنفيذ، ومن خلال العرض ارتكز على لغة الأرقام والمنجزات، أبرزت السعودية وجهة استثمارية عالمية فائقة الجاذبية، وعلى هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي خصصت في جناح البيت السعودي جلسة حوارية بمشاركة سفيرة خادم الحرمين الشريفين الأميرة ريما بنت بندر، ووزير الاستثمار المهندس خالد الفالح، ووزير المالية محمد الجدعان، ووزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، والمديرة العامة لصندوق النقد الدولي كرستالينا غورغييفا وآخرون، بعنوان من الإصلاح إلى التنفيذ: تطبيق التغيير واسع النطاق.
أوضحت السعودية في هذا الحوار أن الإصلاح الاقتصادي في السعودية تجاوز مرحلة المبادرات ليصبح سلوكا مؤسسيا دائما ومستداما، والتحول من الرؤية إلى الاستراتيجية، توفر للمستثمرين فرصا ليس فقط لخدمة الأسواق المحلية، بل للوصول إلى الأسواق العالمية، وبشكل خاص هذه الاستثمارات مطلوبة لمعالجة الرقمنة في قطاع الطاقة، وإعادة تشكيل سلاسل التوريد الاصطناعي عالميا، مدعومة بنمو الاحتياطيات المالية بنسبة 22% بين عامي 2022 و 2025، وأن الأهداف الطموحة التي وضعت قبل 10 سنوات ترجمت اليوم إلى واقع ملموس بوجود 269 مؤشرا متقدما عن مستهدفاته و254 مؤشرا على المسار الصحيح.
وصلت السعودية إلى مستويات مماثلة للصين والهند من حيث تكوين رأس المال كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما ينعكس في سلاسل التوريد العالمية، مثل بناء السفن البحرية على الساحل الشرقي، وقطاع السيارات على الساحل الغربي، إضافة إلى مشاريع الهيدروجين التي تستهدف معالجة الاستدامة العالمية بنوعيها الأخضر والأزرق، بمشاركة مستثمرين عالميين.
التحول لم يعد يقتصر على البتروكيماويات والأسمدة والمعادن، بل شمل تطوير القطاع المالي، حيث ارتفعت أسواق رأس المال السعودية وأصبحت أكثر ترابطا، مع توسيع بنية صناديق الاستثمار المتداولة، وتمثل السعودية سوقا ضخمة، مع إيمانها بقوة مجلس التعاون الخليجي، لكنها تطمح إلى أن يصبح الشرق الأوسط سوقا محلية ضخمة بعدما يخرج من بعض الاضطرابات والتوترات، وستكون السعودية مركزا للاقتصاد الجديد، بما يشمل البيانات والذكاء الاصطناعي..
أعربت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا إعجابها الاستثنائي بمسيرة الإصلاحات الهيكلية التي تشهدها السعودية، وما حدث تحول أجيال وضع السعودية في مكانة الريادة الدولية، ورفعت سقف التحدي، وما تحقق في السعودية مثير للإعجاب حقا، وحجم الإصلاحات مبهر، حتى أصبحت السعودية شريكا وراعيا للإصلاح مع الآخرين، وطالبت السعودية على مساعدة الآخرين على فعل الشيء نفسه، مشيرة إلى أن مرونة القطاع الخاص باتت نموذجا يحتذى به في ظل عالم مضطرب، خصوصا في تمكين الشركات الكبرى إلى خلق بيئة خصبة للمؤسسات الصغيرة والناشئة.
ما أهل السعودية أن تستضيف في أبريل 2026 اجتماعا خاصا للمنتدى في جدة في الجمع بين رؤى الشمال والجنوب العالميين لدورها المحوري في الاقتصاد الدولي، وموقعها كجسر يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا وتجمع بين رؤى الشمال العالمي والجنوب العالمي، ويبني اجتماع جدة على زخم انخراطها النشط في الحوار العالمي، إلى جانب شراكتها المثمرة مع المنتدى الاقتصادي العالمي، ولطالما شكلت عامل استقرار في أسواق الطاقة العالمية، وسيرتكز اجتماع جدة على بناء أرضية مشتركة لمعالجة الحاجة إلى إعادة بناء الثقة وتعزيز التعاون في ظل تصاعد المنافسة الجيوسياسية مع التركيز على أولويات مشتركة مثل أمن الطاقة ومرونة التجارة والتحديات الإنسانية، إلى جانب إحياء النمو من خلال بحث سبل الاستجابة لتحديات ضعف الإنتاجية حول العالم، وتحويل الصناعة عبر الابتكار.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقا