ماجد قاروب
تُعد قضايا الأخطاء الطبية من أكثر القضايا حساسية في المجتمع، لما تمسّه من حق أصيل من حقوق الإنسان وهو الحق في الصحة وسلامة الجسد، ولما يترتب عليها من آثار نظامية ومهنية وأخلاقية تمس المريض والممارس الصحي والمنشأة الصحية على حدٍ سواء، وتتوالد في منطقة تداخل وتباين بين حماية المريض وعدالة المساءلة وحقوق وحماية الممارس الصحي كذلك.
مع ما يشهده القطاع الصحي من تطور متسارع، وارتفاع مستوى الوعي النظامي لدى المجتمع، لم تعد هذه القضايا مجرد وقائع طبية، بل أصبحت ملفات نظامية دقيقة تتطلب فهماً واعيًا لإجراءات التحقيق، والتمييز بين المضاعفات الطبية المشروعة التي لا يمكن تفاديها، وبين الخطأ الطبي الموجب للمساءلة.
قد عرّف نظام مزاولة المهن الصحية الممارس الصحي بأنه كل من يُرخّص له بمزاولة إحدى المهن الصحية، وهو ما يؤكد اتساع نطاق المسؤولية المهنية، وأن الخطأ الطبي لا يقتصر على الأطباء فقط، بل يشمل جميع من يباشر عملاً صحياً مؤثراً في صحة الإنسان، وهو ما تجسد في نظام مزاولة المهن الصحية الذي أسند النظر في هذه القضايا إلى القضاء، ونظم آلية المساءلة والعقوبات المترتبة على ثبوت الخطأ الطبي.
نصّت المادة (32) من نظام مزاولة المهن الصحية على العقوبات التأديبية التي يجوز توقيعها عند ثبوت المخالفة، وتشمل: الإنذار، أو الغرامة التي لا تتجاوز (100,000) مائة ألف ريال أو إلغاء الترخيص، أو الإيقاف المؤقت عن ممارسة المهنة لمدة لا تتجاوز سنة أو الجمع بين عقوبتين أو أكثر بحسب جسامة الخطأ وآثاره.
أكدت المادة (34) من النظام على أن العقوبات التأديبية لا تخل بالحق الخاص ويجوز الحكم بالتعويض عن الضرر متى ثبت الخطأ الطبي وتحققت العلاقة السببية، سواء كان التعويض على الممارس الصحي أو المنشأة الصحية بحسب ما تقرره الجهة القضائية المختصة.
بيّنت المادة (27) من النظام وجوب التأمين ضد الأخطاء الطبية على الممارسين الصحيين، بما يضمن تعويض المتضررين وحماية الحقوق المالية، ويعزز استقرار الممارسة المهنية والعدالة في تحمل تبعات الخطأ.
ومن المهم التأكيد على أن التحقيق في قضايا الأخطاء الطبية لا يُقصد به العقاب بقدر ما يهدف إلى الوصول للحقيقة، وتحديد ما إذا كان ما وقع يُعد خطأً مهنياً أم إجراءً طبياً صحيحاً ترتب عليه أثر غير متوقع، ويبدأ التحقيق عادة بإبلاغ الممارس الصحي بوجود شكوى، ومطالبته بتقديم إفادة مكتوبة توضح تسلسل الإجراءات الطبية المتخذة، استنادًا إلى السجل الطبي والتقارير المعتمدة، مع الالتزام بإبلاغ شركة التأمين وفق ما أوجبه النظام.
وتُعد الإفادة الطبية من أهم أدوات الإثبات في هذه القضايا، إذ تُبنى عليها قناعة جهة التحقيق، والرأي الفني للجان المختصة، وقد يكون لها أثر مباشر في القرار القضائي، ولهذا فإن صياغتها تتطلب دقة مهنية عالية وحيادًا في الطرح، والتزامًا بالوقائع دون اجتهادات شخصية أو اعترافات غير مطلوبة مع ربط القرار الطبي بالأسس العلمية والبروتوكولات المعتمدة وقت الواقعة.
ويقع بعض الممارسين في أخطاء شائعة عند كتابة الإفادة مثل استخدام مصطلحات عامة أو الاعتماد على الذاكرة دون الرجوع للسجل الطبي أو الخوض في تبريرات شخصية لا تخدم مسار التحقيق مما قد يضعف موقفهم النظامي رغم سلامة الإجراء الطبي.
وقد حرص المنظم السعودي على تحقيق توازن عادل بين حماية حقوق المرضى وضمان عدم تعسف المساءلة بحق الممارسين الصحيين من خلال ربط المسؤولية بالمعايير العلمية والنظامية لا بالنتائج وحدها.
حسن التوثيق والفهم الواعي للأنظمة وصياغة الإفادة الطبية بصورة مهنية مسؤولة تمثل خط الدفاع الأول للممارس الصحي، وتسهم في تحقيق العدالة وتصحيح الممارسة ومنع تكرار الأخطاء وتعزيز الثقة في المنظومة الصحية بما ينسجم مع رؤية المملكة في الارتقاء بجودة وسلامة الرعاية الصحية.
الخدمات الطبية وحقوق الممارسين الصحيين، وكذلك المرضى وصناعة التأمين وإدارة المستشفيات العامة والخاصة جميعها في تداخل قانوني ومالي وفني أمام القضاء تستوجب أخذ الأمر بجدية أكبر تضمن للجميع حقوقهم وتحمل مسؤولياتهم ورفع مستوي الخدمات بشكل دائم ومستمر.