عبدالعزيز صالح الصالح
إن حياة المرء في أي مجتمع كان لا تكون سليمة إذا فقدت الثقة بينه وبين أفراد المجتمع، ويبرر فقدان الثقة في المجتمع عندما يسود المكر، والكذب، والخداع، والغش، والخيانة، والتملق، والتزلف من بعض شواذ أفراد الأمة، فالمجتمع لا يخلو من هؤلاء الشواذ أما المجتمع السليم يظل دائماً محافظاً على مبادئ الثقة التي بدونها لا يكون المجتمع ملتزماً بالتعاون، والتكاتف والترابط، والتألف، والتضامن، ومن حق كل إنسان منا أن يستخدم عقله في التمييز بين من يثق بهم ومن لا يثق بهم.
ومن أجل ذلك، يجب علينا أن نفكر في ذلك حتي نتمكن من معرفة الأسس التي تجعلنا أن نثق في أنفسنا أولا، حتى تكون لدينا القدرة على التعلم والمعرفة، والفهم، والتأمل، والتدبر في كل صغيرة وكبيرة - والحقيقة إن الثقة بالنفس هي حجر الأساس في حياة الإنسان، الذي يطمح إليه، بل هي الكنز الثمين الذي يشق به طريقه في هذه الحياة.
فالحياة تسير عبر مسارات متعددة ومتنوعة وهذه طبيعة المرء فهو دائما يبحث عن أمور أكثر تعقيداً، وبالتالي فإن الأمر يكون صعباً عليه، فلا يستطيع تجاوز هذه التيارات المتلاطمة وهذه المسارات المتلاحمة بأسهل الطرق وأقصرها، لأنه في تلك الحالة لا يمكن أن يعيد برامج تلك الحياة ولو حاول بقدر المستطاع ولا يمكن أن يتحقق له ما يريد، إلا بالمحاولة، التي تكسب المهارة التي تمكنه من عمل (ما) وبعد تكرار المحاولة عدة مرات، فقد يتمكن بعد الله من اتقان ذلك الأمر - فالإنسان ما زال هو الإنسان، والأخلاق هي الأخلاق، والمروءة هي المروءة، والأمانة هي الأمانة ،والصدق هو الصدق. فعلى الكل المحافظة على الأصالة في سائر المجتمع، لأنها الأساس القوي.
ويجب ألا نخفي، أحياناً، بعض المظاهر السطحية المعينة، طالما أن التغيير يحدث على أساس متدرج يستوعب، ولا يمس قواعد الأصول.
ونجد في أحاديث نبي الأمة عليه الصلاة والسلام دائماً ما يحفظ على الإنسانية سلامتها وأمنها، فنحن إذا نظرنا إلى قوله الكريم - (إذا أردت أن تفعل أمراً فتدبر عاقبته فإن كان خيراً فأمض وإن كان شراً فانته).
فإن حديث الرسول عليه الصلاة والسلام يدعونا إلى أن نفكر ونتدبر ونتأمل، يدعونا إلى النظر بكل دقة في عواقب الأمور، فلا نأتي شيئاً قبل أن نفكر في عواقبه فإذا كانت العاقبة خيراً كان علينا أن نبادر ونمضي فيه.
ومن خلال هذه المقدمة القصيرة، أحببت أن أطرح سؤالاً عابر على الأستاذ الفاضل/ خالد بن صال العثيم وفقه الله - كيف نوضح مقومات الثقة في نفوس الأجيال الصاعدة يا أخي الكريم؟
فقال لي بالحرف الواحد - لا شك أن أيام الصبا والشباب هي أيام عبور وأيام سعادة وأيام إعداد، وأيام ربيع، فإن الثروة الحقيقية في أي مجتمع (ما) يتمثل في الأبناء وفي الأجيال الصاعدة..
وقمة هذه الثروة الوصول إليهم من خلال فلسفة خاصة للمكونات الأساسية التي تشارك في بناء هؤلاء الشباب.. ونحن أمام توجيهات، ونصائح، وإرشادات هؤلاء الآباء الكرام فإن أهمية القدوة في التربية تتضح من تعلم الأبناء المشي والكلام بالتوجيهات المستمرة، فالآباء يقلدون المحيطين بهم في شتى الأمور، وإن تقليدهم للأبوين يأتي في المقام الأول لأنهم أكثر ارتباطاً بهم، فتصرفات الأبناء الحسنة أو السيئة تجد جذورها في تصرفات الآباء أنفسهم فإن معالجة قضايا الأبناء جاءت مواكبة للطموحات التي تجسد رؤيتهم وذلك من خلال القواعد الدينية والإسلامية الثابتة التي يرتكز عليها تلك الأبناء خلال مسيرتهم الحياتية.
فالشباب على وجه العموم يواجهون تيارات عاتية من كل جانب في عصرنا الحالي، فالتيارات المتلاطمة تحاول استقطاب هؤلاء الأجيال على هدمهم وإسقاطهم والسيطرة على أفكارهم وآرائهم وعلى رؤيتهم الثاقبة حتى تصبح هذه الرؤية ضبابية تحجب عنهم الأضواء الساطعة وتنسق واقعهم الاجتماعي.
فالشباب هم الثروة الغالية التي تعلو على الأثمان المادية وتتجاوز المقادير المألوفة - فالمحافظة على الأصدقاء الأوفياء الذين يتصفون بالتواضع والأخلاق والأدب والاحترام والأمانة والصدق، من الصعب العثور عليهم في هذا الزمن، فإن وفاء الأبناء مع بعضهم البعض من السمات الراقية التي تنبض بروح المحبة والمودة عامرة بالإيمان وبالحب والولاء الصادق لهذا الدين العظيم الذي تسمو به روح البشرية كافة..
فالحب حديقة تأنقت بالورد المتعدد الألوان والأشكال فهو ينبثق في أعماق إنسان كإشراقة شمس في يوم غائم جميل فيبث الدفء والحنان حول من نحيط بهم، كالربيع الذي يسكن أرض القلوب وسماء النفس.. هل توجد سعادة دون حب.. أيوجد حب بدون سعادة، فالحب هو سر الحياة ونعمة الوجود على تلك الأرض الواسعة التي تحتوي على كل زهرة تفوح وكل نجم يلوح إنها الصفات التي يتصف بها الأبناء الكرام.
إن الفضائل التي تعمل عملهما على ارتقاء الشباب المتحلى بها وتدفعه إلى المضي نحو العلا والتقدم والرقي مع مواصلة السير حتى بلوغ العلم النافع والمعرفة العميقة.. والحياة الفاضلة فإن الدنايا والخطايا تعمل على تحطيم كل معاني السمو والعلو، فالحياة علمت الإنسان، الاحترام، والتقدير، فإذا فقدت تلك الصفات الحميدة بين الأبناء، وفقدت تلك المعاملة الطيبة، وفقدت مبادئ الحب فالواجب أن يسود الاحترام، ويصونه بحدود من التهذيب، وبهذا تحيا بينهم المودة، بسلام ووئام ووفاء.
فإن حرص الإنسان على إحراز هذه المقومات الجميلة فإن الثقة بالنفس تزداد على مر الأيام والشهور والسنين، وتكون في خدمته دائماً - كما قال الشاعر الألماني جوته - ثقه المرء بنفسه تشبه رأس ماله الخاص المدخر في بيته، ويشبه كذلك مكتب الادخار العام أو الصندوق المالي الذي يستفيد منه المودعون في أوقات حاجاتهم، وتتميز ثقة الإنسان بنفسه عن ذلك في أنه يأخذ منها في هدوء، وما على الفرد في نهاية المطاف إلا أن يحرز المقومات أولاً حتى تكون الثقة بالنفس التي ينفق منها وقت الضرورة ثانياً.
وقال شاعر حكيم:
وينشأ ناشئ الفتيان منا
على ما كان عوده أبوه