علي حسن حسون
في ختام حفل جوي أورد 2026، خطفت الأنظار لوحة فنية مميزة جمعت أبطال مسلسل باب الحارة، جاءت محمّلة بالحنين والجمال، وأعادت إلى الواجهة سؤالاً قديماً متجدداً:
ما سرّ باب الحارة؟
على مدى أكثر من خمسين عاماً، أُنتجت عشرات المسلسلات العربية التي حفرت أسماءها في الذاكرة، إلا أن المتأمل يلحظ بوضوح أن مسلسلات البيئة الدمشقية كانت الأوفر حضوراً والأطول عمراً في وجدان المشاهد العربي. من الخوالي وليالي الصالحية وصولاً إلى باب الحارة بأجزائه المتعددة، ظل هذا اللون الدرامي متفوقاً، عصياً على النسيان.
هذا النجاح اللافت دفع شركات إنتاج كثيرة لمحاولة استنساخ التجربة، فظهرت أعمال شبيهة في الشكل والطرح، لكنها - مع الأسف - لم تحظَ بذات القبول، ولم تصمد في الذاكرة الجمعية كما صمدت تلك الأعمال القليلة. وبحسب وجهة نظري، فإن ما بقي راسخاً هو تلك المسلسلات الثلاث تحديداً، وعلى رأسها باب الحارة.
لقد تجاوز باب الحارة كونه مجرد مسلسل درامي إلى ما يمكن وصفه بـ»ظاهرة اجتماعية»، حتى أن البعض يتحدث عن متلازمة (باب الحارة أثناء الطعام)، إذ لا يزال كثيرون يعيدون مشاهدة العمل مرات ومرات، في مشهد يثير الدهشة والتساؤل:
لماذا هذا المسلسل بالتحديد؟
صحيح أن الأجزاء الأخيرة لم تكن بمستوى الأجزاء الأولى من حيث الحبكة والبناء الدرامي، حتى مع عودة عباس النوري (أبو عصام)، إلا أن حضوره كان طاغياً ومختلفاً. لم يكن مجرد شخصية محبوبة، بل كان ناقلاً لرسائل عميقة ومبطنة، تُقال بهدوء وذكاء، فتترك أثراً خاصاً لدى المشاهد، وتسهم في الحفاظ على خيط المتابعة رغم تراجع المستوى الفني العام.
إذا اتفقنا على أن باب الحارة هو - حتى اليوم - العمل رقم واحد في دراما البيئة الشامية، فلا بد أن نقف عند أسرار نجاحه وأبرز هذه الأسرار، من وجهة نظري، أن المسلسل قُدِّم بروح محافظة، غير خادشة للحياء، وجامعة للأسرة الواحدة، هو عمل يمكنك مشاهدته مع الأهل دون قلق أو حرج، ودون الحاجة إلى إبعاد الأطفال أو التردد في تشجيعهم على المتابعة.
لقد نجح المسلسل في طمأنة المشاهد، بعيداً عن مشاهد الإيحاءات أو السلوكيات التي قد تُربك الأسرة أو تغرس أفكاراً غير مناسبة في عقول الصغار وهذا عنصر بالغ الأهمية، غالباً ما يُغفل في كثير من الأعمال الحديثة.
إضافة إلى ذلك، كان باب الحارة حاملاً لقيم التربية والآداب والسلوكيات الإيجابية فالمشاهد العربي، بطبيعته، ليس بحاجة إلى إعادة عرض السلوكيات السلبية أو تضخيم القبح الأخلاقي الذي يعرفه مسبقاً، بل يبحث عمّا يرسّخ القيم، ويعزز الخلق، ويقدّم نموذجاً اجتماعياً متماسكاً، حتى وإن كان مثالياً في بعض جوانبه.
من هنا، يمكن القول إن باب الحارة لم ينجح فقط لأنه يحكي قصة حارة دمشقية، بل لأنه قدّم رسالة صادقة بلغة بسيطة، واحترم عقل المشاهد وخصوصية الأسرة العربية.
والدرس الأهم الذي ينبغي التوقف عنده هو أن أي عمل عربي - أو خليجي مستقبلاً - إذا أراد النجاح والاستمرارية، فعليه أن يكون عملاً شاملاً، يحمل رسائل واضحة، بعيدة عن الإساءة للعلاقات الزوجية أو الأسرية، وألا يضخم توافه الأمور على حساب القيم. فبث الخلق الرفيع، والاحترام، والإنسانية، هو أحد أعمدة النجاح الحقيقية، وهو ما يجعل العمل قادراً على العيش سنوات طويلة، ومرافقة أجيال متعاقبة، تماماً كما فعل باب الحارة.