فائز بن سلمان الحمدي
في الشمال الغربي من هذا الوطن الذي تعلَّم أن يُحوِّل الجغرافيا إلى رسالة، وأن يستنطق المكان قبل أن يُعمِّره، تبرز أملج لا بوصفها مدينةً ساحليةً هادئةً فحسب، بل باعتبارها شاهدًا حيًا على انسجام الفكرة مع الأرض، والرؤية مع الواقع. هنا، لم تعد الجغرافيا إطارًا صامتًا، بل تحوَّلت إلى رسالةٍ واعية، يُصغى إلى منطقها قبل أن يُفرض عليها أي مسارٍ تنموي. وعلى هذا الساحل، حيث يتهادى البحر الأحمر بجُزُره وشِعابه ونقائه الآسر، لم يُختزل الجمال في كونه مشهدًا عابرًا، بل أُعيد تعريفه بوصفه قيمةً إستراتيجية تُدار بعقل الدولة، وتُصان بروح المسؤولية. فالطبيعة لم تكن عقبةً أمام التنمية، ولا ذريعةً لتعطيلها، بل كانت عنصرًا أصيلًا في معادلتها، يُراعى ويُحتفى به في آنٍ واحد. ومن هذا التوازن الدقيق بين الطبيعة والقرار، برز دور شركة البحر الأحمر الدولية بوصفه ترجمةً عملية لمفهوم التنمية الرشيدة؛ تنميةٌ لم تُبنَ على الاستحواذ على المكان، بل على الشراكة معه، شراكةٍ تُدرك حساسية الساحل، وتحترم هشاشة البيئة البحرية، وتوازن بين متطلبات الاستثمار وحق المكان في البقاء. وقد انعكس هذا النهج على إيقاع العمل نفسه، حيث تقدَّمت الخطوات بهدوءٍ محسوب، لا بعجلةٍ مُستنزِفة، وعلى رؤيةٍ ترى أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بسرعة الإنجاز وحدها، بل بقدرته على الاستمرار دون كلفةٍ خفية على الإنسان أو البيئة. وهكذا، بدا المشروع امتدادًا طبيعيًا للمشهد، لا إضافةً قسريةً عليه. وفي عمق هذا التحوُّل، تتجلَّى رؤية المملكة 2030، لا بوصفها خطابًا نظريًا، بل منهجَ عملٍ طويلَ النَّفَس، أعاد تعريف الثروة، ووسَّع مفهوم الاستثمار، وربط بين الطموح الاقتصادي والواجب الحضاري. رؤيةٌ أدركت أن الوطن لا ينهض بموردٍ واحد، ولا يتقدَّم بقراراتٍ مرتجلة، بل بنظرةٍ شاملة ترى في الإنسان ركيزة، وفي الجمال موردًا، وفي الاستدامة ضمانةً للمستقبل. ومن أملج، خرج هذا المعنى واضحًا، حين تحوَّل الساحل إلى مشروعٍ وطنيٍّ يُدار بحكمة، لا بمضاربة.
ولم يكن لهذا المسار أن يبلغ هذا القدر من الإحكام لولا قيادةٌ صاغت الفكرة من أصلها، وأحسنت تنزيلها على الواقع؛ قيادةُ صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، الذي تعامل مع الرؤية باعتبارها التزامًا تاريخيًا لا يحتمل التردُّد، ومسؤوليةً وطنيةً لا تقبل أنصاف الحلول. فجاءت المشاريع الكبرى، ومنها مشروع البحر الأحمر، ثمرةَ قراءةٍ واعيةٍ للمكان والزمان، وجرأةٍ محسوبةٍ تعرف كيف تمضي دون تفريط، وكيف تتقدَّم دون أن تقتلع الجذور. غير أن الفكرة، مهما بلغت من السداد، تحتاج في مسيرتها إلى إدارةٍ راسخة تُحسن حملها على الأرض، وتعرف طبائع المكان وأهله. وهنا يبرز الدور المتزن لأمير منطقة تبوك، صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن سلطان بن عبدالعزيز، الذي شكَّل بحكمته الممتدَّة وخبرته العميقة صمامَ أمانٍ لهذا التحوُّل. فقد كان حضوره الإداري والإنساني عاملَ توازنٍ مهمًا، يربط بين توجُّه الدولة وخصوصية المنطقة، ويضمن أن تسير التنمية بخطى واثقة، منسجمة مع المجتمع، قريبة من الناس، واعية بحساسية المكان.
وفي عهده، عُرفت منطقة تبوك بالعمل الصبور وتراكم الإنجاز دون ضجيج، وهو النهج ذاته الذي انعكس على مسار المشاريع الكبرى في نطاقها، فجاءت أملج مثالًا حيًا على تنميةٍ تُدار بعقل الدولة وقلب المسؤول. وهكذا، التقت في أملج ثلاثة مساراتٍ كبرى: رؤيةٌ مُسدَّدة صاغتها القيادة، وتنفيذٌ واعٍ حملته شركة البحر الأحمر الدولية، واحتضانٌ إداريٌّ رصين مثَّله أمير المنطقة. فكان الناتج نموذجًا سعوديًا متكاملًا، يقدِّم درسًا عمليًا في كيف يمكن للتنمية أن تكون راقيةً في فكرها، هادئةً في حضورها، عميقةً في أثرها. ولذلك، لا تُقرأ أملج اليوم باعتبارها مدينةً على الساحل فحسب، بل بوصفها جوابًا عمليًا عن سؤالٍ ظلَّ مطروحًا طويلًا: كيف تنمو الدولة دون أن تُرهق مكانها؟
هنا، تقدَّمت التنمية بلا ضجيج، وتراجع الاستعراض أمام العمل، وغلب التوازن على العجلة. لم يُراهن على سرعة الإنجاز، بل على صلاحيته للبقاء، ولم يُستثمر الجمال بوصفه سلعة، بل باعتباره أمانة. ومن يتأمَّل هذا المسار، يدرك أن ما صُنع في أملج ليس مشروعًا عابرًا، بل درسًا وطنيًا هادئًا: أن الدولة حين تُحسن الإنصات للمكان، وتثق بحكمتها، وتضع الأمور في مواضعها، فإنها لا تبني مدنًا فحسب، بل تؤسِّس مستقبلًا لا تهزُّه تقلُّبات الزمن، بل تزيده رسوخًا واتساعًا.