د.نايف الحمد
في صيفٍ عاصف، بدأ الطائر الأزرق يلملم جراحاته، مستعينًا بالله، وبما حباه من أنفةٍ وكبرياء، في محاولةٍ لقلب صفحةٍ امتلأت بالمشكلات والمنغصات، فطار محلقًا إلى أقصى الأرض، هناك في الولايات المتحدة الأمريكية، متوشحًا مجده الذي لطالما كان سيفه الذي يبطش به، ودرعه الذي يتقي به ضربات الخصوم.
طار ليواجه نسورًا جارحةً وعقبانًا تُدمي خصومها. طار في رحلةٍ جسورةٍ كانت تمثل حلم عشاقه، في وقتٍ كان خصومه يتوقعون سقوطه؛ وحدهم محبّوه من آمن بقدرته على التحليق ولو بجناحٍ مكسور، فلم يخيّب ظنهم، بل كتب قصة مجدٍ جديدة، يصعب حتى على الأقوياء ممن امتلكوا كل مفاتيح النجاح كتابتها، فكان فريدًا في هيئته، مهيبًا في إطلالته، ساحرًا في تفاصيله.
انتهى موسم الطائر الأزرق بعد أن كتب واحدةً من قصص الأساطير الخالدة، التي لا نقرأ مثلها إلا في مجلدات ألف ليلة وليلة، وفي سير الأبطال الخالدين من أصحاب الملاحم؛ لتظل الأجيال تتناقلها جيلًا بعد جيل.
بعد رحلةٍ شاقةٍ وامتحاناتٍ عصيبة، عاد الطائر الأزرق إلى موطنه، حاملًا معه مجدًا حفظته دواوين الكرة الأرضية، وأشادت به المجاميع البشرية، وسارت بأخباره الركبان، من بلاد الفرنجة حتى أرضنا العربية. فتوجّس القوم منه خيفةً، وأعدّوا له العُدّة، وأحسنوا الترتيب، وبالغوا في الترهيب، وسارعوا إلى التمهيد والتمكين؛ فجهزوا المعسكرات، وضخوا الدماء بملايين الريالات، وعوّضوا كل ما فات.
ثم ماذا؟!
بدأ موسم التحليق، فطارت العصافير بفرحٍ وتدبير، فاستعرضت مختالةً، ورقصت حتى الثمالة. وما إن بدأت أجواء الشتاء تغطي الفضاء، حتى تساقطت العصافير، وظهر الطائر الأزرق بلونه الجذاب، وشق طريقه معتليًا حتى تطاول وبلغ السحاب، في مشهدٍ يخطف الألباب، فتعالت الأصوات: لماذا يحدث كل هذا؟! فقد أحسنّا الحبكة، ولم نترك للحظ أو الصدفة فرصة!
فيا لهذا الطائر الأزرق، كم هو عصيٌّ على السقوط؛ فقد أرهق حساده، وأحيا محبيه، وبعث فيهم الروح، وأشعل لهم قناديل الفرح، ورسم الابتسامة في دروبهم.
نقطة آخر السطر
تتبدل الأحوال وتتغير، وتصعد فرقٌ وتنزل، ويبقى الهلال متوقدًا لا تنطفئ له شعلة، ولا ينكسر له مجداف، حتى بات مثلًا للقوة والهيبة، ولعشاقه نور الحياة وسحرها الذي لا يشيخ ولا ينضب.
تتكالب عليه الظروف فيعبرها بعزيمة رجاله ومحبيه، الذين حملوه في قلوبهم، ورفعوه حتى سكن السماء، وأضاء الأرض، وجعل منها حدائق غنّاء تبعث فيهم الدفء والحياة.