وصلني هذا الكتاب القيم والفريد من نوعه في مادته إهداء كريم من صاحبة السمو مؤلفته الفاضلة مديرة جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن بالرياض السابقة، بواسطة الأخ الأستاذ الشريف محمد علي العجلاني. كتاب أنيق في مظهره ومخبره طباعة ومحتوى وجميل عنوان في طبعته الأولى 1435/ 2014م.
وقد اشتمل الكتاب بعد الإهداء والمقدمة وملحق بالوثائق على أربع محطات رئيسة في سيرة المؤلفة الشخصية طالبة ومعلمة وأستاذة ومديرة جامعة، هي في الحقيقة فصول، بل أبواب بما احتوته من سيرة شخصية كتبت بشفافية وأسلوب رصين شيق ماتع تنبض حروفه بالصدق، متجردا من الأنا التي طالما دُبجت به بعض صفحات كثير من السِّير التي عرفناها.
وقد وجدت نفسي مدفوعاً لقراءته أكثر من مرة.!
ففي مفتتح مرحلة التربية والتكوين الأولى (مرحلة الطفولة والشباب)، ها هي المؤلفة تغزل بحروفها الذهبية والشاعرية قائلة:
«وأيّا رياض وفيك البادئ والمرتع..
فيك أُرضعت أن لغير الله لا أركع ولا أخضع..
فيك رُبيت بحسن الخُلق ألتزم إذ أسمع.».......
وصف شفيف للتربية الدينية والعربية الأصيلة التي عاشتها المؤلفة وتختم هذا المقطع..
«أيا نجد وفيك البدء والتكوين فيك المجد منك العم والآباء والجد»...
وفي الرياض العاصمة السعودية كان مسقط رأسها، بحي المرقب.! سليلة المجد والمحتد تسكن مع أسرتها في بيت متواضع من الطين سقفه من الخشب وسعف النخل وجريده. وفرشه البُسط (جمع بساط) والسجاد العربي والرومي..!!
وتتحدث عن أسرتها الكبيرة من جهة الأب (آل سعود)، ومن جهة الأم (أمراء الرس) بفيض من الإكبار والافتخار ونعم ما كتبت.
وتشير إلى ما يميز أسرتها الكبيرة آل سعود في علاقاتهم الاجتماعية باحترام الصغير وعدم تقدمه للكبير في المناسبات الخاصة والعامة، وذاك مشاهد ومعلوم فنعم التربية وهذا الوفاء.!
وتثني ثناء برٍ على أمها الرؤوم بما تستحق التي تحملت مهمة تربيتها وإخوتها تربية إسلامية مع أمومة حانية وحازمة وقت اشتغال والدها بعمله الرسمي أميرا في منطقة القصيم (1389-1397هـ).!
وما إن بلغت المؤلفة السادسة من عمرها إلا وقد تملكها الشغف ورغبتها في التعلم لكن وقف حائل عدم وجود مدارس حكومية للبنات حتى عام 1376 في الرياض دون تحقيق ذلك (وهي هنا تؤرخ لتعليم البنات بسيرتها الشخصية).
ولحسن حظها أنشأ الملك سعود رحمه الله (ت: 6 ذي الحجة 1388هـ) مدرسة خاصة لكريماته باسم (معهد الكريمات) كأول مدرسة للبنات بإقليم نجد تشجيعا للأهالي ليحذوا حذوه.!
وكأنها تشير هنا إلى الخطوة الأولى لسيرة تعليم البنات في المملكة وحكاية المعارضة التي واجهها من كثير من أفراد المجتمع السعودي في نجد وبقية المناطق حينذاك لمفاهيم اجتماعية وقبلية. وكانت شاهد عيان.!
فدُون اسمها مع فرحة عارمة شعرت بها وتشجيعا من أسرتها عام 1379هـ بقبولها بالصف الثاني ابتدائي بعد اجتيازها لاختبار تحديد المستوى بمعهد كريمات الملك سعود داخل قصره بحي الناصرية الشهير بالرياض.!
ومعلوم أن وزارة المعارف تأسست في العام 1373 هـ ولم يكن للإناث نصيب في التعليم الحكومي وقتذاك. ويحضرني تأكيدا لما قالت ما دعا له الشاعر والأديب المعروف
عبدالله بن محمد بن خميس رحمه الله (ت: 15 جمادى الآخرة 1432هـ) بشأن تعليم الفتاة في المملكة العربية السعودية. وإلقائه من أجل تحقيق ذلك قصيدة رجاء واستعطاف يطالب فيها باعتماد تعليم البنات بالمملكة في حفل افتتاح وتأسيس وزارة المعارف بحضور وزيرها الأول صاحب السمو الملكي الأمير (الملك) فهدبن عبدالعزيز، الذي عين وزيرا لها في 18 ربيع الآخر 1373هـ) فقال ابن خميس:
(الأم مدرسة)
يا نصير العلم هل من شِرْعة
تمنع التعليم عن ذات الخبا
إنها في ذاتها مدرسة
إن خبيثاً أنجبت أو طيّبا
كيف يرضى عالم جاهلة
تقلب البيت جحيماً ملهبا
يخرج الأطفال منها صورة
إن ينالوا العلم ضلوا الأدبا
أنا لا أدعو لأن نخرجها
لتحاذي بالرجال المنكبا
أو تنادي بعقوق أو تُرى
هتكت بين الرجال الحجبا
إنما الإفراط فيها خطل
وكذا التفريط في ما وجبا
سنة الإسلام وسط شاء
من يبغي التعدي أم أبى
وقد أشارت المؤلفة إلى أن الحكومة السنية اتبعت سياسة التدرج في تهيئة الجو العام لإدخال تعليم البنات عن رضا وقناعة. وقد عزز ذلك وشرعه صدور الأمر الملكي في 21 ربيع الآخر 1379هـ في الإذن في فتح مدارس تعليم البنات وتتبع (الرئاسة لتعليم البنات) وكُلف فضيلة الشيخ العالم عبدالعزيز بن ناصر الرشيد في شهر المحرم 1380هـ برئاسة هذا الجهاز الوليد المنتظر من غالبية الشعب.
وتسرد المؤلفة شغفها بالقراءة في جميع فروع المعرفة رغم عمرها الغض وخصوصا كتب التاريخ ومنها ما كتب عن تاريخ المملكة مع اهتمامها البارز بالرياضيات والعلوم التي تهواها في تلك السن المبكرة منذ بداية تعليمها.
ويستهويها السفر - ففيه سبع فوائد كما قيل - للاطلاع على حضارات وثقافات الشعوب الأخرى وتيسر لها زيارة دول ومدن منها سوريا وبيروت والأردن والقدس (قبل احتلالها) 1385هـ، كما زارت المؤلفة لندن وتركيا والنمسا واليونان والمانيا برفقة والدتها وإخوتها. وتركيز أمها على زيارة الأماكن الأثرية والمتاحف الأثرية. وتدين بالفضل لوالدتها التي كانت محفزة لها لزيادة ثقافتها بالمسابقات الثقافية والدينية والشعرية في منزلها التي يشترك معها زميلاتها وتكوين مكتبة خاصة لها في منزلها.!
ووجدت أن المؤلفة قد تجاوزت ذكر تجربتها بالمرحلة الإعدادية (المتوسطة كما هو في نظامنا التعليمي) وربما عدّت ذلك إتماما للمرحلة الابتدائية في معهد كريمات الملك سعود.!
وتنهي المؤلفة مرحلة الثانوية بتفوق في القسم الأدبي بعد تخليها عن القسم العلمي في معهد الكريمات عام 1390هـ حيث وجدت نفسها متعلقة بالأدب واللغة والتاريخ برفقة بنات آل سعود الأخريات وبنات عائلات المجتمع وبعض بنات جنسيات من الدول العربية المقيمات في المملكة ويشرف الجميع بحضور جلالة الملك سعود حفل المعهد الختامي نهاية كل عام دراسي.!
وتقدم المؤلفة للقارئ نبذة تعريفية مختصرة عن كل بلد تزوره. ومثالا لذلك تقول عن القصيم مقر عمل والدها أنها في وسط المملكة وتبعد عن الخليج العربي كما تبعد عن البحر الاحمر بنفس المسافة 500كيل. وترتفع القصيم عن مستوى سطح البحر من 600 مترا في الشرق إلى 900 متر في الغرب وهي منطقة زراعية وبها الكثير من المعادن. وتحدد موقع بريدة عاصمة القصيم بـ350 كيلا في شمال غرب العاصمة الرياض. وأن في القصيم مواقع أثرية منها (برج الشنانة ومقصورة السويلم في البكيرية وحصاة النصلة بعين الجواء) وتذكر المؤلفة محبة والدها للعلم والتعلم الجاد وحرصه على حث أولاده على ذلك، وتستشهد بتذكيرها وإخوتها من قبله بمقولة لابن قتيبة (ت: 276 هـ قوله: [ما زال العالم عالما ما طلب العلم، فإذا توقف جهل].
ومن الشعر المنسوب للإمام الشافعي (ت: 204 هـ):
بقدر الكد تكتسب المعالي
ومن طلب العلى سهر الليالي
ومن رام العلى من غير كد
أضاع العمر في طلب المحال
تروم العز ثم تنام ليلا
يغوص البحر من طلب اللآلئ
ومن نصائح والديها في مجال العلاقات الإنسانية لها ولإخوتها تروي: الحث على حب الآخرين، ولا ننقل ما نسمعه من كلام أو نراه. ولا نصدق كل ما يقال.. ولا نأخذ ردة فعل تجاه أي موقف من أحد إلا بعد السؤال لمعرفة السبب فقد يكون لديه ما يبرر به موقفه.!
ويتفق حصول المؤلفة على شهادة الثانوية بداية تعليمها الجامعي بعد أن رأى جلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله (ت: يوم الثلاثاء 13 ربيع الاول 1395هـ) حاجة الفتيات للتعليم الجامعي فوجه - يرحمه الله- الرئاسة العامة لتعليم البنات بافتتاح أول كلية جامعية لتعليم البنات بالرياض العاصمة في العام 1390هـ. وعين الدكتور عبدالله محمد العجلان (ت: 28 محرم 1430هـ) أمينا عاما لكلية التربية للبنات وفقا للائحة التي وضعت لها تحت مظلة الرئاسة العامة لتعليم البنات.
ثم أصبحت الأمانة وكالة لكليات البنات في عام 95-1396هـ على عهد جلالة الملك خالد بن عبدالعزيز يرحمه الله (ت: 21 شعبان 1402هـ)
وعبرت المؤلفة عن عظيم فرحتها الغامرة بافتتاح هذه الكلية للبنات التي تلبي طموحها مع تشجيع والديها فقدمت المستندات التي تخولها الدراسة بالكلية.
في العام الذي نالت فيه الشهادة الثانوية 1390هـ وقبلت فيه ولها مع التعليم العالي (كلية البنات) حكاية أخرى يتوجها نضوجها الفكري وتفتح مواهبها واتساع مداركها على أيدي معلمات على مستوى عال من العلم والتخصص والتربية فنالت النجاح بتفوق بعد أربع سنوات حافلة بالاجتهاد والتميز.!
وإلى هنا يقف مدادي لانتهاء المساحة الخاصة لمقالتي تاركا للقراء الكرام مهمة الاطلاع على هذا السفر الجدير باقتنائه والتمتع بما بين دفتيه.!
** **
- غازي أحمد الفقيه