منصور بن صالح العُمري
يا صاحبي...
حين تُغلِقُ البابَ عليك،
وتجلسُ في زاويةٍ لا يراكَ فيها بشر،
وتحسبُ أنك وحدك...
ثم تفاجئك الحقيقة كالصاعقة:
لستَ وحدك.
فالله أقربُ إليك من هذا الخاطر الذي يخفق في صدرك،
وأقربُ من دمعتك قبل أن تسقط،
وأعلم باعترافك قبل أن تنطقه.
تفتحُ نافذةَ الماضي،
لا شهوةَ نبشٍ ولا لذةَ تذكُّر،
بل جُرحٌ تريدُ غسله بالاستغفار،
فتنهالُ عليك الصور بلا استئذان،
معاصٍ حسبتَها دفنت،
وتقصيرٌ ظننتَ أن النسيان كفَّر عنه،
فإذا به يقف أمامك حيًّا،
يحدّق فيك بعينِ الحق،
ويجلدك بسياط الندم.
تحاول أن تقول:
«يا رب... قد نسيت»،
فتدرك في تلك اللحظة المهيبة
أن النسيان صفة لك...
لا له.
وأنك تقف على حافة يقينٍ مرعب:
هو لا ينسى،
ولا يضل،
ولا يخفى عليه شيء.
فتنهار...
لا لأنك تُظلَم،
بل لأنك تُكشَف.
تنهار لأنك ترى نفسك بلا أقنعة،
بلا أعذار،
بلا مسوّغاتٍ لغوايات قديمة.
ترى عمرك كما هو،
لا كما تحب أن ترويه للناس.
تبكي...
لا بكاء الضعيف فحسب،
بل بكاء العارف بخزيه،
الواقف على عتبة الحساب
وقد أثقلته الذنوب أكثر مما أثقلته السنين.
تقول:
«يا رب، هذا ما أذكره...
وأُقِرُّ بين يديك به وحتى بما نسيتُ،
وبما غاب عن ذاكرتي وحضر في علمك،
وبما دفنه نسياني ولم يدفنه عدلك.
أُقِرُّ بذنوبٍ لا أملك لها اليوم إلا دمعة وتوبة،
ولا أملك لها غدًا إلا رجاء عفوك».
ثم تهتزّ في داخلك رعشةٌ أعظم:
ماذا لو نطقت الجوارح؟
ماذا لو قامت يدك الآن لتشهد على ما بطشت،
والعين تُحصي ما أطلقت،
واللسان يفضح ما نطق وزيَّن،
والقلب يُعرِّي نياتٍ ما كانت لله؟ ماذا لو وقف من ظلمتهم،
ومن جنيتَ عليهم بقولٍ أو فعلٍ أو صمت،
واحدًا واحدًا...
لا ليشتموك،
بل ليُطالِبوا الحكم العدل؟
ماذا لو شهد نبيُّك -صلى الله عليه وسلم- عليك،
وشهدت الملائكة،
وانقلبت الصفحات التي حسبتها طُويت
إلى دفاتر مفتوحة لا تُجامل؟
في تلك اللحظة...
لا يبقى لك شيء.
لا جاه،
ولا حُجة،
ولا ذكاء،
ولا تاريخ.
يبقى ضعفك فقط،
ويبقى رجاؤك فقط،
ويبقى بابٌ واحدٌ إن أُغلِق هلكت،
وإن فُتح نجوت:
بابُ الرحمة.
فتسجد...
لا لأنك أُمرت،
بل لأنك لا تملك إلا أن تنكسر.
تسجد بقلبٍ يصرخ قبل الجبهة:
«يا رب... لو عدلك وحده سبقني لهلكت،
فلا تجعلني شاهدَ خزيي يوم القيامة،
واجعلني شاهدَ عفوك».
وهنا...
في هذا الانكسار الصادق،
في هذا الاعتراف الذي لا يزيّنه لفظ،
في هذه الدموع التي لا تطلب مدحًا ولا تصفيقًا،
تولد أعظم لحظة في عمرك:
لحظةُ عبدٍ عرف قدر نفسه،
فأحسن الظنّ بربه.
لحظة أبقى الرحيم عليك نفَسَكَ يتردد لتتوب إليه.
فإن نجا أحدٌ يوم الحساب،
فليس لقلة ذنبه،
بل لرحمة الله به ولعل كثرة صدقه،
وذل انكساره،
ولأنه جاء ربه بقلبٍ مكسور تائب
لا يدّعي الطهارة،
ولا ينازع في الجناية،
بل يقول:
«هذا أنا...
إن لم تغفر لي، فلا حجة لي».
وإن لم ترحمني فمن يرحمني.
هذه ليست خاطرة..
هذه وقفةُ عمر.
وإن خرجتَ منها بدمعةٍ صادقة،
فاحمد الله..
فما كلُّ القلوب يُؤذَن لها أن تبكي بين يديه.
وكتابها.. المقر بذنوبه، الراجي لعفو ربه..