فاطمة آل مبارك
أيقظ مقال الزميل عبدالله الكعيد أفكاري حول مفهوم الهوية بوصفها إطارًا أعمق من البطاقة التعريفية الرسمية، وسؤال ثقافي متجدد يتشكل مع تحولات العالم من حولنا. وقد أحسن حين أعاد النقاش إلى جوهره، حين أكد أن الهوية السعودية منظومة متكاملة من الدين والقيم والعادات والتاريخ. وهو طرح يُحسب له ويستحق التقدير، لما يحمله من حرص صادق على صيانة المعنى في زمن يميل إلى تحويل القضايا المركبة إلى عناوين سريعة.
ومن هذا التقدير تحديدًا، يتشكل هذا السجال الفكري. فالاتفاق قائم على جوهر الفكرة، بينما يظل اختلاف المقاربة علامة صحة في أي حوار ثقافي حيّ. إذ إن الهوية الوطنية تشتد حضورًا في لحظات التحول الكبرى، عندما تتكاثر محاولات التصنيف الخارجي، وتُعاد رسم الخرائط الثقافية بلغة عامة تُفرغ التجارب التاريخية من معناها، وتختزل التنوع في تسميات لا تعكس العمق ولا الثراء الحقيقي.
في مثل هذه اللحظات، تغدو الهوية مرجعية معنوية جامعة، لأنها تمثل وعيا نقديا يمكن المجتمع من حماية خصوصيته، وتأكيد ملامحه الثقافية الأصيلة، واستدعاء التجارب والقيم التي أسهمت في بناء وعيه الجمعي عبر الزمن ،الهوية السعودية تشكلت عبر تاريخ طويل من التفاعل الحضاري، واستطاعت أن تحافظ على ثوابتها وهي تنفتح على محيطها العربي والإسلامي والإنساني. هذا المسار التراكمي منحها قدرة على الاستمرار، وجعل وضوح الجذور وثقة الانتماء عنصرين فاعلين في حضورها الثقافي. فالقوة هنا لم تنبع من الانفصال، بل من التوازن بين الثبات والتفاعل، وهو ما يجعل الهوية أكثر قدرة على الصمود في وجه التحولات، ينسجم هذا الفهم مع ما طرحه الفيلسوف الفرنسي بول ريكور في حديثه عن الهوية السردية، بوصفها هوية تتكون عبر التراكم الحكائي والتجربة التاريخية المشتركة. فالهوية، وفق هذا التصور، لا تستنسخ من الماضي ولا تقطع عنه، بل يعاد بناؤها مع كل جيل في اتصال حيّ مع الأصل. فالمجتمعات تعرف بما تقدمه للعالم من فكر، وفن، وتعليم، وخطاب ثقافي قادر على التعبير عن ذاته بوضوح واتزان.
ويمثل الاعتزاز بالزي، واللغة العربية بلهجاتها المتعددة، والعادات الأصيلة، والفنون الشعبية، تجليات حيّة للانتماء، وحضور يومي للهوية في تفاصيل الحياة. غير أن هذا الاعتزاز يكتسب أثره الأعمق حين يمارس بوصفه مشروع متجدد يتفاعل مع الحاضر ويقرأ المستقبل. فحيوية الهوية تتجلّى في قدرتها على مواكبة التحولات مع الحفاظ على ملامحها الجوهرية، والهوية التي تتوقف عن التطور تخاطر بأن تتحول إلى صورة ثابتة، بدل أن تبقى طاقة فاعلة في حياة المجتمع.
أما العولمة الثقافية، فهي ظاهرة مركبة تتطلب قراءة واعية، وتمثل اختبارا حقيقيا لقدرة المجتمعات على الوعي والاختيار. فالمخاطر لا تنبع من وجودها بحد ذاته، بل من غياب الوعي النقدي في التعامل معها. فالهويات الواثقة، تمتلك القدرة على الانتقاء، وإعادة إنتاج ذاتها، مع قدرة على الحفاظ على جوهرها الأصيل، وفي هذا السياق، تصبح الهوية الوطنية منصة للبناء الداخلي، ليست مجرد أداة للحماية من الخارج. فالخصوصية، حين تفهم بعمق، تتحول إلى قوة فكرية وثقافية، ويغدو الانتماء قاعدة لصقل الإبداع والمبادرات المجتمعية. كما أن الانفتاح المدروس على الثقافات الأخرى يعزز حضور الهوية، ويمنحها فرصة لتقديم ما تملكه من قيم ومعارف في فضاء إنساني أوسع.
وفي الختام، يمكن القول إن صيانة الهوية الوطنية تتحقق عبر بناء الثقة في مكوناتها، وتعزيز حضورها في الفضاء الثقافي بسردية واضحة ومتزنة. فالهوية السعودية، بما تحمله من عمق تاريخي وثقافي، قادرة على الحضور بثبات، والتفاعل بثقة، والمشاركة في الحوار الإنساني بوصفها ذات واعية بجذورها، متجددة في أدواتها، ومطمئنة إلى جوهرها.