«الثقافية» - كُتب:
يُعدّ كتاب رحلة الفقر والغنى واحدًا من أهم الكتب التوثيقية التي تناولت سيرة الإنسان السعودي في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري، لا بوصفه فردًا ناجحًا فحسب، بل باعتباره مرآة لجيل كامل تشكّل وعيه في بيئة الفقر العام، وشظف العيش، ثم انتقل تدريجيًا إلى زمن التنظيم المؤسسي وبدايات الاقتصاد الوطني.
الكتاب، الذي جمعته وأعدّته الكاتبة هدى بنت محمد السبيعي، لا يكتفي بسرد سيرة الشيخ محمد بن إبراهيم السبيعي، بل يقدّم مادة ثقافية واجتماعية واقتصادية ثرية، تُعيد قراءة مفهوم النجاح، والغنى، والعمل، في سياق تاريخي سعودي خالص، سابق على الطفرة النفطية، ومؤسِّس لها في الوقت نفسه.
من السيرة الفردية إلى الوثيقة الاجتماعية
لا يمكن قراءة «رحلة الفقر والغنى» بوصفه كتاب سيرة تقليديا، إذ يتجاوز السرد الشخصي إلى ما يشبه الوثيقة الاجتماعية التي تؤرخ لحياة الناس، وأنماط العمل، وقيم السوق، والعلاقات الاقتصادية، في زمن لم تكن فيه البنوك، ولا الأنظمة المالية الحديثة، ولا مؤسسات الضمان الاجتماعي.
فالكتاب يعيد بناء صورة المجتمع السعودي من الداخل، من خلال تفاصيل الحياة اليومية، والهجرة، والعمل اليدوي، والتجارة، والاحتكاك المبكر بالعالم الخارجي عبر الحج والتجارة.
عنيزة: الميلاد في زمن القسوة
وُلد محمد بن إبراهيم السبيعي في مدينة عنيزة عام 1333هـ/1915م، في بيئة نجدية اتسمت بالفقر، وانتشار الأمية، وندرة الموارد. ويحرص الكتاب على تقديم صورة دقيقة للمجتمع النجدي آنذاك، حيث كان الفقر حالة عامة، والهجرة سلوكًا شائعًا، والعمل المبكر ضرورة لا خيارًا.
فقد السبيعي والده في سن مبكرة، لتتحول الأم إلى عمود الأسرة الوحيد، عاملة في حياكة الملابس وتطريزها، في مشهد يختزل دور المرأة في المجتمع التقليدي بوصفها شريكة في الكفاح، لا مجرد تابع.
التعليم التقليدي وبدايات الوعي
يوثّق الكتاب واقع التعليم في القصيم خلال تلك الحقبة، حيث اقتصر على الكتاتيب وحفظ القرآن، باستخدام أدوات بدائية كاللوح الخشبي والحبر المصنوع محليًا.
ورغم محدودية هذا التعليم، إلا أن أثره بدا واضحًا في شخصية السبيعي لاحقًا، من حيث الانضباط، واحترام العلم، والحرص على التعلم الذاتي، وهو ما انعكس في دقته الحسابية، وقدرته على إدارة المال في مراحل لاحقة.
الهجرة إلى مكة: الانتقال من المحلية إلى العالمية
يشكّل الانتقال إلى مكة المكرمة نقطة التحوّل الكبرى في السيرة. فمكة، في تلك المرحلة، لم تكن مدينة دينية فقط بل مركزًا اقتصاديًا عالميًا، يلتقي فيه الحجاج والتجار من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
يروي الكتاب تفاصيل رحلة السفر مع قوافل الحج على ظهور الجمال، والتي استغرقت نحو سبعة وعشرين يومًا، في ظروف شاقة من العطش والجوع والخطر، مقدّمًا توثيقًا نادرًا لتاريخ التنقل في الجزيرة العربية قبل الطرق الحديثة.
العمل المبكر: مدرسة الحياة
في مكة، بدأ السبيعي العمل في مهن شاقة: السقيا، العمل في الدكاكين، البناء، البيع المتجول. ويعرض الكتاب هذه الأعمال بتفصيل دقيق، موثقًا الأجور الزهيدة وساعات العمل الطويلة، في صورة تعكس أخلاقيات العمل في ذلك الزمن.
هذه المرحلة لم تكن هامشية، بل شكّلت مدرسة حياة صنعت الصبر، والانضباط، والقدرة على تحمّل المسؤولية، وفهم الناس والسوق من القاعدة.
التعليم في مكة: فرصة ضائعة ووعي دائم
التحق السبيعي بالكتاتيب ثم بمدرسة الفلاح في مكة، حيث برز نبوغه المبكر وحبه للتعلم. غير أن ظروف العمل والحاجة إلى الرزق حالت دون استمراره في التعليم النظامي.
ويعرض الكتاب هذه اللحظة بوصفها مفارقة عاشها جيل كامل، اضطر كثير من أفراده إلى ترك التعليم مبكرًا، وهو ما يفتح بابًا للتأمل في العلاقة بين الفقر والتعليم في المجتمعات التقليدية.
بدايات الكفاح المهني المنظّم
يقدّم الكتاب سردًا تفصيليًا لمسيرة السبيعي المهنية:
• سقاء
• عامل بناء
• طباخ
• بائع متجول
• مشرف عمال
• مفتش طريق
ويذكر الرواتب، وظروف العمل، والتنقل بين المهن، في صورة توثّق التحول التدريجي من العمل اليدوي إلى الوظيفة النظامية، ثم العودة إلى التجارة الحرة.
العودة إلى مكة: اختيار السوق
بعد سنوات من العمل الوظيفي، يعود السبيعي إلى مكة وقد نضجت خبرته واتسعت رؤيته، متخذًا قرارًا حاسمًا بالعودة إلى التجارة. يبدأ العمل في سوق الجودرية، أحد أشهر أسواق مكة آنذاك، حيث تتركز تجارة القوافل النجدية والحجازية.
الشراكة التجارية: الأخلاق قبل الربح
تأتي الشراكة مع التاجر سليمان بن غنيم بوصفها نقطة التحول الفعلية. يقدّم الكتاب هذه الشراكة بوصفها نموذجًا نادرًا في النزاهة، حيث قامت على الثقة المطلقة، والوضوح في الحسابات، والوفاء بالالتزامات.
ويروي مواقف دقيقة تؤكد رفض السبيعي لأي مال مشكوك فيه، حتى لو كان قانونيًا ظاهريًا، في دلالة على أن الأخلاق كانت رأس المال الحقيقي.
من التجارة إلى الصرافة: اقتصاد ما قبل البنوك
مع استتباب الأمن وتوحيد المملكة، ازدهرت التجارة، ودخل السبيعي مجال الصرافة في وقت مبكر. يقدّم الكتاب توثيقًا نادرًا لمرحلة ما قبل البنوك، حيث كانت مكاتب الصرافة تقوم مقام المؤسسات المصرفية الحديثة.
ويوثّق استخدام الشفرات اللغوية في البرقيات المالية (القهوة = غنم، الذهب = رشاد)، في دلالة على ذكاء السوق المحلي وقدرته على الابتكار.
تأسيس شركة محمد وعبدالله السبيعي للصرافة والتجارة
في عام 1357هـ، أسّس السبيعي مع أخيه عبدالله شركة محمد وعبدالله السبيعي للصرافة والتجارة، في خطوة تمثل الانتقال من العمل الفردي إلى التنظيم المؤسسي.
ويضع الكتاب هذه الخطوة ضمن سياق التحول الاقتصادي العام في المملكة، حيث بدأت تتشكل اللبنات الأولى للقطاع المالي الوطني.
العلاقة بالسلطة: احترام لا امتياز
يتناول الكتاب علاقة السبيعي بعدد من ملوك المملكة وأمرائها، لكنه يحرص على تقديم هذه العلاقة بوصفها علاقة احترام متبادل، لا قائمة على الامتيازات أو استغلال النفوذ.
ويبرز هنا نموذج التاجر الوطني الذي يرى نفسه شريكًا في التنمية، لا تابعًا للسلطة.
العمل الخيري: فلسفة أخلاقية
يفرد الكتاب فصولًا مطوّلة للعمل الخيري، مؤكدًا أن كثيرًا من هذه الأعمال لم تكن تُعلن.
فالخير، في هذه السيرة، ليس تبرعًا استعراضيًا، بل التزام أخلاقي، تحكمه وصايا دقيقة في كيفية التعامل مع الفقير، وحفظ كرامته.
التاجر الشاعر: الحس الجمالي
يبرز الكتاب الجانب الشعري للسبيعي، حيث تُدرج قصائده بوصفها تعبيرًا عن فلسفة حياة، لا هواية عابرة.
ويكشف هذا الجانب عن توازن نادر بين قسوة السوق ورهافة الحس الإنساني.
الصحة والتوازن
يتوقف الكتاب عند نظرة السبيعي للصحة والمرض، وحرصه على الوقاية، والاعتدال، واحترام الجسد. وهي زاوية نادرة في كتب السير الاقتصادية، تضيف بعدًا إنسانيًا عميقًا للتجربة.
كتاب عن جيل لا عن فرد
في محصلته، لا يروي «رحلة الفقر والغنى» سيرة رجل واحد، بل يوثّق تجربة جيل سعودي كامل، صنع ذاته في زمن الفقر، وأسهم في بناء الاقتصاد الوطني قبل الطفرة النفطية.
وهو كتاب يعيد الاعتبار لقيم العمل طويل النفس، والصبر، والنزاهة، في مواجهة ثقافة النجاح السريع.
خاتمة: الغنى بوصفه قيمة
يخرج القارئ من «رحلة الفقر والغنى» وهو يدرك أن الغنى، في هذه السيرة، ليس تكديسًا للمال، بل اكتمالًا أخلاقيًا، وقدرة على العطاء، وثباتًا على القيم في زمن التحولات.
إنه كتاب يؤرّخ لمرحلة مفصلية من تاريخ المملكة، ويقدّم شهادة ثقافية وإنسانية نادرة، تصلح أن تكون مرجعًا للأجيال الجديدة في فهم معنى النجاح الحقيقي