د. سطام بن عبدالله آل سعد
أعضاء هيئة التدريس في جامعاتنا ثروة وطنية صُنعت عبر سنوات دراسة وتدريب وابتعاث وتطوير، لكن أثرها العام لا يزال أقل من حجم الاستثمار فيها، والمؤلم أن كثيرًا من الخبرات المتراكمة تُغلق أبوابها في مرحلة ما بعد الخدمة الجامعية، وكأن الأستاذ إذا غادر القاعة انتهى دوره المجتمعي. المشكلة ليست في الأستاذ، وإنما في غياب القناة المنظمة التي تُخرج المعرفة من الإطار الجامعي إلى مساحة المنفعة الوطنية.
لدينا -ولله الحمد- عقولٌ وعلماء، غير أننا نعاني ضعفًا في وصل هذه العقول بحاجات المجتمع، ففي واقع العمل الأكاديمي اليوم يطغى العبء التدريسي على وقت عضو هيئة التدريس، ثم يأتي البحث العلمي فيُنجز أحيانًا بوصفه متطلبًا لمسارٍ أكاديمي تُحرّكه الترقيات أكثر مما تُحرّكه القضايا الوطنية، وبينما تتطلع جهات الدولة والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي إلى خبرة علمية رصينة يمكن البناء عليها، تبقى خبرات كثيرة محصورة داخل أسوار الجامعة، فلا يصل أثرها إلى المجتمع إلا عبر مبادرات فردية متفرقة.
من هنا تبرز فكرة عملية تقوم على إنشاء مجتمعات علمية تخصصية رسمية على مستوى المملكة تحت مظلة وزارة التعليم، تضم أعضاء هيئة التدريس في كل تخصص عبر جميع الجامعات، فتتشكل مجتمعات للفيزياء والرياضيات والكيمياء، وللمجالات الطبية والهندسية، وللأحياء والجغرافيا والذكاء الاصطناعي واللغات وعلم النفس والتربية والاقتصاد والقانون وغيرها، وهي مجتمعات عمل دائمة، لها منصة رقمية وبرنامج سنوي ومخرجات واضحة، ترتبط مباشرة بملفات التنمية والتخطيط والاستراتيجيات الوطنية، وبحاجات التعليم وسوق العمل.
الأثر المباشر لهذه المجتمعات يبدأ من التعليم العام، كثير من مشكلات طلاب الثانوية لا تتعلق بضعف الطالب فقط، بل بفجوة بين طبيعة المعرفة وطريقة تقديمها وقياسها. مجتمع التخصص يستطيع أن ينتج أدلة شرح للمفاهيم الصعبة، ويحدد الأخطاء الشائعة، ويقترح أمثلة من البيئة المحلية، ويصنع وحدات تعلم رقمية قصيرة، ويُطوّر نماذج علمية معيارية ترفع مستوى التحصيل وتُحسن جودة المخرجات.
ويمتد الأثر إلى تحديث المعرفة داخل الجامعة، شريحة واسعة من المقررات تعيش زمنًا غير زمنها من حيث الأمثلة والمحتوى، بينما تستطيع مجتمعات التخصص إجراء مراجعة دورية لما ينبغي تدريسه وما يحتاج إعادة بناء أو دمج أو حذف، بحيث يتخرج الطالب الجامعي بمعرفة أكثر اتصالًا بالعالم وأكثر قابلية للتحول إلى مهارة.
ثم يأتي أثرٌ ثالث يتمثل في دعم الدولة والمجتمع بحلول علمية رصينة، فالجهات الحكومية تحتاج أوراق سياسات وتقييم برامج وتحليل أثر ونماذج قياس ولجان خبراء عند الحاجة، وجود مجتمعات تخصص فاعلة يتيح إنتاج توصيات قابلة للتطبيق، تُقدَّم بلغة واضحة، وتخضع لمراجعة علمية قبل أن تتحول إلى قرارات أو برامج.
ولا يقل أهمية عن ذلك حفظ الخبرة المتراكمة بعد انتهاء المسار الوظيفي، عبر مسار يضمن استمرار الإسهام العلمي في تطوير المناهج، ومراجعة المحتوى، وبناء الأدلة التعليمية، وتدريب المعلمين، والإشراف على مشاريع بحثية تطبيقية، وكتابة محتوى مبسط يخدم المجتمع، بحيث تبقى الخبرة فاعلة في دورة المعرفة الوطنية ولا تتحول إلى رصيد معطل.
ولكي تنجح الفكرة، لا بد أن تُبنى على مخرجات ملموسة تُقاس بالأثر، كأهداف سنوية واضحة لكل مجتمع تخصص، ومؤشرات مثل عدد الأدلة التعليمية ووحدات التعلم الرقمية والتوصيات التطويرية وأوراق السياسات والبرامج التدريبية للمعلمين.
بهذه المقاربة نُفعّل قيمة عضو هيئة التدريس بوصفه ثروة وطنية، ونفتح أمامه مسارًا واضحًا لتحويل علمه إلى منفعة عامة مستدامة، داخل الجامعة وخارجها، بما يليق بحجم الاستثمار الذي وضعته الدولة في المواطن السعودي.