صالح الشادي
في ظلمة الليل الساكن، حيث تُطل المجرّات البعيدة كشموس غريبة في محيط لا ساحل له، وقفتُ لسنواتٍ طويلة أتأمل سرَّ هذا الكون المهيب. ودوَّنتُ ملاحظاتي وما استنتجته -حين عشت في عزلة اختيارية ذات زمن- في كتابي «نحو الجادة» وكتاب «الجن: عالم آخر» الذي أصدرته مع بزوغ الألفية الثالثة، محاولاً فكَّ ألغاز هذا الوجود الواسع، والإجابة عن تساؤلٍ وجودي يثور في النفس: ألسنا وحدنا في هذا الرَّحاب؟
لطالما شعرت أننا، كبشر، نعيش داخل صندوق مغلق من الحواس؛ نرى فقط ما تسمح لنا به طبيعتنا الضيقة، وهذا ما يدفع ببعضنا إلى الاعتقاد بأننا محور الخليقة والكائن الوحيد الذكي في هذا الامتداد المهول. لكن التأمل العميق والبحث يُريان أن الأمر أعظم من ذلك بكثير.
إن الكون ذاته، بسمائه المتطابقة وأراضيه، ينطق بتنوع الخلق. فالقرآن الكريم، في إشاراته الكونية العميقة، يفتح الباب على مصراعيه لهذا التأمل. فهو لا يحدثنا عن سموات سبع فحسب، بل وأراضين مثلها أيضًا، كما في قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ (الطلاق: 12). وهذا التكرار العددي ليس عبثًا، بل هو إيماءة إلى وجود عوالم كاملة قد تكون قائمة بذاتها. وتأتي آية وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ (الشورى: 29)، لتعمق هذا المعنى، حيث كلمة {دَابَّةٍ} تشمل كل حي يدب، وهي صيغة عامة لا تحصرها في عالمنا الأرضي المرئي. بل إن الآية الكريمة وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآئِكَةُ (النحل: 49)، تؤكد أن هذه المخلوقات، أينما كانت، تخضع لخالق واحد.
ومن أعمق الإشارات ما نجده في قوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ (الانشقاق: 19). فهذه الآية، في أحد تأويلاتها التي كنت أتتبعها في بحثي، قد تشير إلى مراحل الصعود المعرفي والانتقال الوجودي بين طبقات الكون ومستوياته، وهي فتحة أمل نحو فهم أوسع لموقعنا في هذا الخلق المتعدد. كما أن آية وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (الحج: 47)، تُذكّرنا بأن قوانين الزمان والمكان نفسها نسبية، مما يوسع الآفاق أمام إمكانية وجود حياة تعيش في أبعاد زمنية ومكانية مختلفة عنّا تمامًا.
وهنا يلتقي المنظور القرآني مع المفهوم البحثي الذي تطور في كتاباتي عن «الجن». فلفظ «الجن» في أصله اللغوي وصف للاستتار والخفاء، وليس جنساً محدداً بذاته. لقد وصف العرب الملائكة بأنهم من الجن لاستتارهم عن الحس المباشر. ومن هذا المنطلق، يمكن أن يشمل هذا المفهوم الواسع أطيافاً مختلفة من الخلق المستتر: من الكائنات المجهرية التي لا نراها، إلى حياة ذكية محتملة في كواكب أخرى، إلى مخلوقات قد تعيش في أبعاد أو مستويات وجودية لا ندركها بحواسنا الحالية. وهو ما يتسق مع منطق الآية الكريمة: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (الرحمن: 33)، التي تخاطب صنفين من المخلوقات المكلفة وتتحداهم معاً في آن، مما يوحي بتقاربهما في خاصية العقل والإرادة، لا في الطبيعة المادية.
إن العلم الحديث، رغم تقدمه المذهل، يقرّ بحدوده. فهو يكتشف كواكب جديدة قد تكون صالحة للحياة، ويسجل ظواهر طائرة مجهولة، لكن المنهج العلمي يظل مقيّدًا بطلب الدليل المادي الملموس. وهذا الدليل قد يتأخر أو لا يأتي أبدًا، ليس لأن الحياة غير موجودة، بل لأن طبيعتها قد تكون غيبية في حقبتنا البشرية الحالية، أو لأنها تسير وفق قوانين فيزيائية لا نستطيع معها التفاعل المباشر. لقد خُلقنا من طينة هذه الأرض، وكما قال تعالى: وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (الإسراء: 85).
لذلك، فإن الإقرار باحتمال وجود حياة أخرى وعوالم موازية ليس ضربًا من الخيال أو الخروج عن الدين، بل هو تواضع جوهري أمام عظمة الخالق الذي وسع كرسيه السموات والأرض. إنه انفتاح العقل والروح على آيات الله المنظورة والمسطورة. فالكون في حقيقته أشبه بمحيط هائل من الحياة بمختلف أشكالها وتجلياتها، ندرك منها قطرة صغيرة فقط. وكلما اتسعت مداركنا، ازددنا يقينًا بأننا لسنا وحدنا في هذا المشهد الوجودي المدهش، وأن كل المخلوقات، في السماوات والأرض، تسبح بحمد خالقها الواحد، كما أخبرنا: وَإِن مِن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ (الإسراء: 44). وفي هذا التواضع المعرفي، تكمن بداية الحكمة الحقيقية.