خالد بن حمد المالك
لم تكن المملكة تتوقع أن تصل الأمور في جنوب اليمن إلى ما وصلت إليه، فقد كانت، وهي الدولة الأولى المعنية بشؤون اليمن، تعالج قضية اليمن الجنوبي العادلة بالحكمة والعقل، ومن خلال الحوار بين الأطراف الجنوبية، وصولاً إلى تنفيذ ما يتفق عليه الأشقاء في الجنوب.
* *
لم يكن هذا التوجه الرصين، والتعامل العاقل من المملكة مقبولاً من الطرف الخارجي، ولا من كيان واحد برئاسة عيدروس الزبيدي بين كيانات الجنوبيين، ممن يأتمر بتعليمات الخارج، ومن لا تهمه مصلحة بلاده، ومعالجة قضيتهم، وهمه الأول والأخير مصالحه الشخصية.
* *
غير أن انقلابه على الشرعية، بدءاً باحتلال محافظتي حضرموت والمهرة، قابله انقلاب على الانقلاب بقيادة الجنوبيين الشرفاء، وحسم الموقف بساعات، بعد أن ظل على مدى عشر سنوات يُهدد الاستقرار، ويثير الفتنة، ويرفض عيدروس الزبيدي أي حلول تفضي إلى منع تهديد الجنوب بحرب أهلية، مدعوماً في ذلك من الخارج.
* *
كان الوضع في جنوب اليمن مسكوناً بخوف الجنوبيين من انفجار الوضع، وتحويل بلادهم إلى ساحات يُقتل فيها الأبرياء، وتحوّل المحافظات والمدن إلى ركام من آثار الدمار، غير أن تدخل المملكة، وتحرك القيادة الشرعية حسم الأمر، وأنهى المخطط الخطير، وانتهت أطماع عيدروس الزبيدي، بهروبه، وطرده من مجلس القيادة، وحل ميليشياته فيما كان يسمى بالمجلس الانتقالي.
* *
قضية جنوب اليمن تتمحور حول انفصال الجنوب، والإعلان عن دولة، وهناك من هو مع هذا الخيار ومن هو ضده، والمملكة أعلنت أنها مع ما تتفق عليه الشخصيات والقيادات الجنوبية، في حوار يجمع ولا يفرق، حوار لا يستثنى منه أحد، أي أنها ضد أن ينفرد شخص واحد، ومكوّن واحد، بهذا الحق.
* *
الأوضاع في جنوب اليمن أصبحت هادئة وآمنة، والإصلاحات مستمرة، والدعم متواصل، وما كان يُشكّل خطراً على الجنوب زال، وبقي تحديد موعد اجتماع الشخصيات والقيادات ممثلة للكيانات لأخذ الخطوة الأخيرة في بناء مستقبل جنوب اليمن، وهو اجتماع وافقت المملكة على طلب القيادة الشرعية بأن يعقد بالرياض.
* *
مسؤولية الجنوبيين الآن أن يضعوا مصلحة بلادهم فوق أي محاولات لتحقيق مكاسب شخصية، وأن يتفقوا ويعالجوا ما كان موضع اختلاف فيما بينهم، ويتجهوا نحو تقريب وجهات النظر، والمحافظة على ما تم تحقيقه خلال الأيام القليلة الماضية، والابتعاد عن أي تصعيد لا يخدم اليمن، مهما كانت مبرراته وأسبابه.
* *
والمملكة في هذا المشوار من الأزمة اليمنية مع الأشقاء في جنوب اليمن، داعمة بالمشاريع، وبالتعضيد في مواجهة عدوهم الخارجي ومن يواليه من الداخل، في حدود ما تطلبه الشرعية منها، وبما يحفظ أمن المملكة، ولا تستغل الأراضي الجنوبية للإضرار بها، وهو موقف معلن وواضح، ولا تساهل فيه.
* *
وإذا كان هناك من أمل، فهو أن يراجع الأشقاء في الإمارات سياساتهم في التعامل مع جنوب اليمن، وأن يكونوا في حالة نأي بأنفسهم عن كل ما يسيء إلى المعالجات التي تقودها المملكة لإطفاء الخلافات والفتنة بين الجنوبيين، وأن يعملوا خيراً، أو لا أقل من أن يكفّوا عن أي عمل لا يفيد في إصلاح الوضع في هذا الجزء من اليمن، وبذلك تنتهي أزمة العلاقات بين المملكة ودولة الإمارات، وهذا ما نتمناه، فطبول الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية تقترب من المنطقة، وليست دولنا العربية في حاجة إلى تصعيدها بأعمال مرفوضة من دولة شقيقة.