د. طلال الحربي
لا ينبغي أن يمر اعتماد «الإستراتيجية الوطنية لقطاع التأمين» كخبر روتيني في الصفحات الاقتصادية. فوراء هذا القرار، تكمن تحولات عميقة ونتائج متحققة على الأرض، وتحولات جوهرية في المشهد الاقتصادي والاجتماعي.
فالقرار ليس مجرد وثيقة اعتماد، بل هو إطلاق لإشارة البدء النهائية لتحويل القطاع من كونه سوقاً خدماتياً تقليدياً إلى بنيّة تحتية وطنية للاستقرار المالي وإدارة المخاطر.
الرقم المستهدف (3.6 % من الناتج المحلي الإجمالي) ليس مجرد نسبة، بل هو تعبير كمّي عن طموح لجعل التأمين ركيزة أساسية في حماية الثروات الوطنية وتعزيز متانة الاقتصاد.
فعندما تضع الاستراتيجية برامج مثل «التقنية والبيانات والذكاء الاصطناعي» و»الأنظمة والتشريعات» كركائز تمكين، فهي لا تهدف فقط إلى تحسين الكفاءة. الهدف الأكبر هو تحويل القطاع إلى منصة ذكية للبيانات المالية والمخاطر. القاعدة المركزية للبيانات لن تسهل العمليات فقط، بل ستخلق «ذاكرة جماعية» للسوق، تسمح بتسعير أدق للمخاطر، وتمنع الاحتيال، وتُحدث نقلة في الشفافية. هذا يحول الهيئة من جهة رقابية إلى جهة منظمة لبيئة بيانات ومُحفّزة للابتكار. والأهداف الواضحة في برامج «التأمين الصحي» و»تأمين الحماية والادخار» تتجاوز فكرة التغطية. زيادة المستفيدين من التأمين الصحي إلى 23 مليوناً، وتشجيع الادخار عبر التأمين للشركات الصغيرة والمتوسطة، تعني شيئين: أولاً، تقليل الضغط على المالية العامة عبر تعميم التكافل الاجتماعي القائم على السوق. ثانياً، خلق ثقافة مالية جديدة حيث يصبح التأمين والادخار أداتين للتحصين ضد الصدمات وبناء الثروة الشخصية، مما يعزز الشمول المالي والمرونة الاقتصادية للأسر.
وتأتي برامج «إعادة التأمين» و»الاحتفاظ والقدرة الاستيعابية» و»المخاطر غير المؤمّن عليها» لتخبرنا قصة أعمق. إنها محاولة لاستعادة السيطرة على سلسلة القيمة التأمينية. فبدلاً من تصدير معظم الأقساط إلى الأسواق الخارجية (إعادة التأمين)، تهدف إلى بناء قدرة محلية لاستيعاب المخاطر والاحتفاظ بالأقساط داخل الاقتصاد الوطني. والأهم، إنشاء «وعاء تأميني» للمخاطر الوطنية غير المؤمن عليها (كالكوارث الطبيعية أو الأوبئة) هو خطوة جريئة نحو تأسيس صمام أمان وطني، يخفف الأعباء عن الدولة ويشرك القطاع الخاص في حماية المكتسبات التنموية.
والتأمين كحاضنة للوظائف والكفاءات المتخصصة، فالهدف لإيجاد 38,500 وظيفة للكفاءات الوطنية ليس مجرد هدف توظيفي. إنه اعتراف بأن التحول المطلوب قائم على العقول قبل رؤوس الأموال. سوق تأمين متطور يحتاج إلى مهندسي مخاطر، وعلماء بيانات، وخبراء في الاكتتاب المتخصص، ومحللي ذكاء اصطناعي. هذه الوظائف عالية القيمة ستسحب معها تطوير البرامج الأكاديمية والتدريبية، مما يخلق حلقة إيجابية من بناء رأس المال البشري المتخصص. إستراتيجية التأمين، التي تُوِّجت بها جهود معالي رئيس مجلس الهيئة الأستاذ عبدالعزيز البرق ومتابعة رئيس الهيئة المهندس فيصل الناجي، هي في جوهرها مشروع لتحسين جودة القرارات الاقتصادية على كل المستويات. قرار الفرد في ادخاره، قرار الشركة في تغطية أصولها، قرار المستثمر في الدخول للسوق، جميعها ستتحسن بوجود سوق تأمين ناضج، شفاف، وقادر على قياس وتحمل المخاطر بكفاءة.
اعتماد الإستراتيجية هو البداية، والتحدي الحقيقي للهيئة ومنسوبيها يكمن في التنفيذ المتزامن والمترابط لـ72 مبادرة. نجاح هذا التحول سيعني أكثر من نمو قطاع مالي؛ سيعني اقتصاداً أكثر مرونة، ومجتمعاً أكثر أمناً، ووطنًا أكثر استعداداً لمستقبل مليء بالتغيرات والمخاطر. هذا الذي يجعل من قرار اليوم، نقطة تحول في غد الاقتصاد السعودي.