مهدي آل عثمان
حين نتأمل مقاصد الدين الإسلامي ندرك أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق الإنسان عبثاً، ولم يُنزِل هذا الدين ليكون مجرد طقوس تُؤدى أو شعارات تُرفع، بل جاء بمنهج شامل ينظم حياة الإنسان في أبعادها كلها؛ الروحية، والأخلاقية، والاجتماعية، والعملية؛ فالدين في جوهره مشروع إصلاح متكامل، يقوم على العبادة التي تزكي الفرد، والأخلاق التي تحفظ المجتمع، ويحث على عمارة الأرض التي تحقق النفع العام وتُجسد معنى الاستخلاف. فالعبادة تمثل المقصد الأول، وهي الأساس الذي تُبنى عليه علاقة الإنسان بربه، وقد خُلق الإنسان ليعبد الله، كما جاء في النص القرآني الكريم في قوله سبحانه وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}.
غير أن العبادة في مفهومها الصحيح لا تقتصر على أداء الشعائر وحدها، بل تشمل إلى جانب ذلك كل ما يُقصد به وجه الله قولاً أو عملاً. فالصلاة تُهذب السلوك، والصيام يُربي الإرادة، والزكاة تُنقي المال والنفس، والحج يُرسّخ معاني المساواة والانتماء. وهذه العبادات، وإن كان أثرها الأول يعود على الفرد نفسه تزكيةً وتقويماً وبناءً داخلياً، إلا أن أثرها لا يتوقف عند حدود الذات، بل ينعكس تلقائياً على المجتمع حين يُترجم الإيمان إلى سلوك.
غير أن الخلل يظهر حين تُفصل العبادة عن أثرها العملي، فيتحول الدين إلى ممارسة فردية معزولة عن الواقع، أو طقوس لا تُثمر خُلقاً ولا التزاماً. فالدين لم يُشرع ليُخرج الإنسان من الحياة، بل ليُدخله فيها بوعي ومسؤولية، وليجعل العبادة منطلقاً للإصلاح، لا ذريعةً للانعزال أو التناقض السلوكي.
ومن هنا يبرز المقصد الثاني، وهو الأخلاق في التعاملات، التي تُعد المعيار الحقيقي لصدق التدين؛ فحسن الخلق ليس أمراً ثانوياً في الإسلام، بل هو صميم الرسالة التي بُعث بها المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم في قوله: (إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق)
حتى ارتبط كمال الإيمان بكمال الأخلاق. فالصدق، والأمانة، والعدل، وحفظ الحقوق، واحترام الإنسان، ليست مجرد قيم مثالية، بل ضرورات لبقاء المجتمعات واستقرارها، وقد جاءت الشريعة لتنظم العلاقات بين الناس، كما نظمت علاقة الإنسان بربه، إدراكاً بأن الخلل في التعاملات يفسد المجتمع مهما كثرت مظاهر التعبد.
وفي واقعنا المعاصر، كثيراً ما تُشوه صورة الدين لا بسبب نصوصه، بل بسبب ممارسات تخالف مقاصده، حين يظهر التدين في الظاهر، بينما تسود في التعاملات القسوة أو التشدد أو الظلم أو التعدي على الحقوق، في حين أن الفهم الصحيح للدين يجعل الأخلاق سلوكاً يومياً، والالتزام بها عبادةً مستمرة لا تقل شأناً عن سائر العبادات.
أما المقصد الثالث، فهو عمارة الأرض، وهو من أعظم مقاصد الدين وأوسعها أثراً، ومع ذلك يغفل عنه كثيرون. فقد استخلف الله الإنسان في الأرض، وأمره بعمارتها؛ أي بإصلاحها، وتنمية مواردها، وبناء حضارة تقوم على العدل والإتقان.
وعمارة الأرض لا تعني البناء المادي وحده، بل تشمل جميع جوانب التنمية، وكل عمل نافع يعود أثره على الفرد والمجتمع معاً؛ في التعليم، وبناء الأسرة، والصحة، والاقتصاد، والإدارة، والزراعة، والصناعة، وسائر المجالات التي تخدم الإنسان وتُحسن جودة حياته.
وهنا يتجلى التوازن الدقيق في مقاصد الدين؛ فالعبادة يعود أثرها الأساس على الفرد تزكيةً وتقويماً، بينما تتعدى عمارة الأرض نفع الفرد لتشمل المجتمع بأكمله، بل والأجيال القادمة. فإتقان العمل، والوفاء بالمسؤولية، ومحاربة الفساد، واحترام الأنظمة، والسعي للإصلاح، كلها صور من العبادة إذا اقترنت بالنية الصالحة، وكانت منضبطة بالقيم الشرعية.
وفي هذا السياق، لا بد من التمييز بين الدعوة إلى الدين والاحتساب فيه، وبين الاجتهاد الفردي غير المنضبط. فالدعوة مسؤولية عظيمة، تحتاج إلى علم وبصيرة وحكمة، وليست مجالاً مفتوحاً لكل من أراد أن يتصدر أو يُصدر الأحكام أو يُحمل الناس ما لا يحتملون.
وقد أدى غياب هذا الفهم في بعض الأحيان إلى تشويه صورة الدين، حين تصدر غير المتخصصين للوعظ أو الاحتساب دون علم بمقاصد الشريعة أو فقه الواقع، فكانت النتيجة نفوراً بدل الهداية، وتعقيداً بدل التيسير.
إن مقاصد الدين الإسلامي، حين تُفهم في إطارها الصحيح، تُعيد ترتيب الأولويات، وتضبط مسار التدين، وتمنع الانحراف نحو الإفراط أو التفريط. فالإسلام جاء ليحفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وليحقق العدل، ويجلب المصالح، ويدرأ المفاسد، ويقيم ميزان الحياة على أساس متين من القيم والعمل.
وفي وقت تكثر فيه التحولات، وتتشابك فيه التحديات، تبرز الحاجة إلى هذا الفهم المتوازن للدين، الذي يجمع بين العبادة الواعية، والأخلاق الراسخة، وعمارة الأرض المسؤولة. فبقدر ما نُحسن فهم مقاصد ديننا، نُحسن أداء دورنا في الحياة، ونحقق الغاية التي خُلقنا من أجلها: عبادة تُصلح الفرد، وأخلاق تحفظ المجتمع، وعمارة الأرض لتجسيد معنى الاستخلاف وما يخدم الإنسان.