مبارك بن عوض الدوسري
من الملاحظ في عدد من مساجد بعض مناطق ومحافظات المملكة وجود تفاوت واضح في وقت إقامة الصلوات المفروضة، وهو تفاوت يتجاوز في أحيان كثيرة الحدود التنظيمية المعتمدة بين الأذان والإقامة، ليصبح مصدر إرباك حقيقي لشريحة واسعة من المصلين، وسبباً مباشراً في تعطيل شؤونهم اليومية والتزاماتهم العملية والأسرية؛ فالمصلي اليوم لا يأتي إلى المسجد فراغاً من المسؤوليات، بل يأتي وهو مرتبط ببرنامج يومي دقيق؛ موظف لديه دوام، وولي أمر مطالب بإحضار أبنائه من المدارس وقت الظهيرة، وتاجر أو مستثمر يحرص على صلاة الجماعة دون أن يخل بالتزاماته مع الزبائن أو بسير عمله؛ وعندما يفاجأ هذا المصلي بتأخر الإقامة عن الوقت المحدد رسمياً، أو بإضافة زمن من اجتهاد الإمام الشخصي، تتحول الصلاة من طمأنينة إلى قلق، ومن خشوع إلى استعجال ذهني، وربما إلى حيرة بين البقاء أو المغادرة ؛ ولا يقتصر الأثر على الأفراد فحسب، بل يمتد إلى أصحاب المحلات التجارية المجاورة للمساجد، الذين يحرصون على إغلاق محلاتهم وأداء الصلاة جماعة، إلا أن طول الانتظار غير المبرر يدفع بعضهم إلى الصلاة وقلبه معلق بالمحل، أو البحث عن مسجد آخر قد يكون أبعد مسافة، أو في أسوأ الأحوال الصلاة منفرداً في محله، وكل ذلك يتنافى مع الهدف الأسمى من تنظيم أوقات الصلاة، وهو التيسير لا التعسير، وجمع الناس لا تنفيرهم. إن تنظيم الوقت في المساجد ليس مسألة شكلية أو إدارية بحتة، بل هو جزء من فقه الواقع، واحترام لحاجات الناس، وامتثال لتوجيهات الجهات المختصة التي وضعت أوقاتاً محددة بين الأذان والإقامة بعد دراسة ومراعاة لمصالح المجتمع؛ والخروج عن هذا التنظيم، بحسن نية أو بسوء تقدير، يفتح باب الاجتهاد الفردي في شأن عام، ويضعف قيمة الالتزام، ويعطي رسالة سلبية عن احترام الوقت والنظام ؛ ومن هنا، تبرز الحاجة إلى وقفة جادة وحازمة من المراقبين والمكلفين بمتابعة المساجد، وقفة تعيد التأكيد على أهمية الالتزام بالتعليمات المعتمدة، وتوازن بين أداء الشعيرة على أكمل وجه، ومراعاة ظروف المصلين وأحوالهم؛ كما أن توعية الأئمة والمؤذنين بأثر هذا التفاوت على الناس، وبأن التيسير أصل شرعي ومقصد معتبر، تمثل خطوة أساسية في معالجة هذه الظاهرة؛ فالمسجد كان وسيبقى بيتاً للسكينة والطمأنينة، واحترام الوقت فيه هو احترام للمصلين، ورسالة حضارية تعكس وعي المجتمع وانضباطه؛ وعندما تنتظم الإقامة كما تنتظملصفوف، نكون قد جمعنا بين العبادة وحسن التدبير، وبين الخشوع واحترام مصالح الناس.