عبد العزيز الهدلق
أول مستثمر أجنبي في قطاعنا الرياضي هو الأمريكي بن هاربورغ الذي استحوذ على نادي الخلود بالرس.
وبعد تجربة نصف موسم تكوّن لدى السيد هاربورغ تصوراً تاماً عن منافساتنا الكروية، من جوانبها المختلفة وبالأخص جانب التنظيم والإدارة. وكشف عن بعض منها، وربما لديه أشياء أخرى يرى أن الوقت غير مناسب حالياً للكشف عنها، وأشياء أخرى قد يكون من الصالح العام أن تقال للمسؤول مباشرة، وليس من الصالح أن تنشر للعموم.
وكان أول ما لفت نظر المستثمر الأمريكي مستوى التحكيم. فاللسيد بن هاربورغ رأيه في ذلك وهو للأسف رأي سلبي ولكنه متوقع، ويتفق فيه مع غالبية المنتمين للوسط الرياضي، من مسؤولين ومدربين وجماهير وإعلام.
فالمستثمر عندما يضخ أموالاً في شرايين القطاع الرياضي السعودي ويساهم في نموه فإنه يتطلع في النهاية لتحقيق عوائد، وتلك العوائد تحتاج توفر أركان أساسية وأهمها التحكيم الذي يحقق عدالة المنافسة، ويحفظ حق النادي.
ذلك أن المستثمر يعمل على تعظيم قيمة علامة ناديه التجارية، وهذا لا يتحقق إلا بتطور مستوى الفريق وارتقائه في سلم الترتيب، ثم دخوله دائرة المنافسة، ثم تحقيقه البطولات، بعد ذلك يكون النادي مطلوباً في سوق الاستثمار، وتحرص الشركات على إبرام عقود الرعاية والإعلان، وترتفع القيمة السوقية للاعبين، وترتفع نسبة الحضور الجماهيري، وترتفع عوائد النقل التلفزيوني بناء على مركز الفريق في الدوري نهاية الموسم.
وإذا كانت المنشآت والملاعب في حالة تحديث وتطوير مستمر لتكون عامل جذب وبيئة مناسبة للحضور، وتجربة الجمهور والمشجعين يتم تطويرها والارتقاء بها باستمرار، فإن هناك عاملا مهما جداً وهو التحكيم الذي لازال محلك سر!
منذ سنين طويلة، فقد تطورت كل جوانبنا الرياضية وأصبحت فرقنا تنافس عالمياً، والتحكيم لازال «على طمام المرحوم»!
وتقييم التحكيم ليس مجرد انطباعات وعواطف، بل من خلال حقائق ثابتة ودامغة، وأهمها غياب الحكم السعودي عن التظاهرات الكروية الخارجية وأبسطها كأس العرب! ناهيك عن غيابه عن بطولات كأس الأمم الآسيوية، وكؤوس العالم. هذه محددات رئيسية ترصد حركة تقدم وتطور الحكم السعودي المحلي من عدمه.
وهذا الغياب المزعج للحكم السعودي عن تلك التظاهرات الكروية الدولية رغم الدعم السخي الذي تقدمه الدولة للقطاع الرياضي، ومن ضمنه قطاع التحكيم، يقابله حضور قوي ومستمر لحكام من دول حولنا لا تملك القاعدة الرياضية الواسعة لممارسة اللعبة التي نحظى بها، ولا تملك القمة التنافسية العالية، ولا الإرث والتاريخ الرياضي مثلما نملكه في بلادنا!
لقد تحدث بن هاربورغ عن مشكلة التحكيم المحلي، وتطرق لسلبياتها وتأثيرها، وأكثر ما نخشاه أن يتحول ذلك الرأي إلى انطباع لا يتغير عند أول مقتحم للاستثمار في القطاع الرياضي السعودي، وأن يؤثر ذلك تجربتنا الوليدة التي نحرص جميعاً على نجاحها.
فإذا كنا نطمح إلى توسيع رقعة الاستثمار في القطاع الرياضي ودخول مستثمرين سواء سعوديين أو أجانب فينبغي أن نعالج السلبيات التي نراها واضحة أمامنا وفي مقدمتها التحكيم. فربما يكون وضع التحكيم بحالته الراهنة التي نراها اليوم طارداً للمستثمر! فالمستثمر الذي ضخ أموالاً يرتجي من وراءها عوائد ومكاسب، لن يقبل بأي حال من الأحوال مثل مستوى التحكيم المحلي الحالي. وقالها هاربورغ. عندما تحدث عن التحكيم المحلي مبدياً عدم رضاه عن مستواه.
فإذا كنت وزارة الرياضة هي المسؤولة عن جانب الاستثمار الرياضي وتحمل على عاتقها مسؤولية تسويق الاستحواذ وإنجاح تجربة الاستثمار، وتشجيع المستثمرين على اقتحام الاستثمار في القطاع الرياضي السعودي، وهي المسؤولة عن تهيئة المناخ الاستثماري الجيد والمحفز فإن عليها مسؤولية المشاركة في تطوير التحكيم، من خلال إجبار اتحاد الكرة القدم على ضرورة الالتفات للتحكيم وتطويره بالشكل الصحيح، وليس مثلما هو قائم اليوم، وبالاستعانة من التجارب العالمية الناجحة، وباستقطاب الكفاءات العالمية الناجحة للعمل من خلال المتابعة والتقييم التخطيط، والتطوير.
فغير مقبول إطلاقاً أن يكون من أعضاء لجنة الحكام حكام كانوا بالأمس مثار نقد شديد على مستوياتهم التحكيمية ولم يستطيعوا طوال مسيرتهم المتعثرة مع الصافرة الوصول والمشاركة في أي محفل كروي دولي! فمثل هؤلاء هل يمكنهم صناعة نجاح لغيرهم!؟
إن أكبر مشكلة تواجه التحكيم المحلي هي عدم اعتراف الاتحاد واللجنة بوجود مشكلة أصلاً! وهذا عمق من المشكلة وجذرها وجعل الحلول تبدو صعبة!
إن أول خطوة في معالجة وضع التحكيم هي استقطاب مجموعة خبراء تحكيميين من أوروبا ويشترط أن تتضمن سيرهم الذاتية قيادة مباريات نهائية في كؤوس العالم وبطولات أوروبا، وتقوم هذه المجموعة كلجنة مستقلة غير تابعة لاتحاد الكرة بمراقبة الحكام المحليين وتقييم أدائهم في كل المباريات. ومطالبتهم في نهاية الفترة المحددة بتقديم تقرير مفصل يتضمن حالة وضع التحكيم، وجوانب قوته وضعفه، ووصف طرق العلاج للنهوض به وتطويره، بالإضافة إلى التوصيات. وأجزم أن أحد أسباب ضعف التحكيم المحلي التي سيتم التوصل لها سيكون متمثلاً في لجنة الحكام وأسلوب عملها.
فرغم مضي خمس سنوات على وجود خبير أجنبي على رأس لجنة الحكام، وخبير أجنبي آخر على رأس دائرة التحكيم إلا أن النتائج والمخرجات شبه معدومة.! والسبب سوء اختيار هؤلاء الخبراء، ثم وجود قوة هائلة تؤثر على العمل. تتمثل في اختيار عناصر تحكيمية سابقة لم تحقق أي نجاح في مسيرتها المهنية التحكيمية ضمن منظومة تطوير التحكيم.! ذلك أن فاقد الشيء لا يعطيه. فمن فشل في تطوير نفسه لأكثر من عشرين عاماً لن يتمكن من تطوير غيره.
إن حلول تطوير التحكيم المحلي باتت اليوم من مسؤولية وزارة الرياضة، بعد أن عجز اتحاد الكرة عن حلها. وأصبحت الوزارة هي المسؤول المباشر عن تطوير التحكيم. لأن هذا الجانب له تأثير مباشر وقوي على نجاح أو فشل مشروع الاستثمار الرياضي وتخصيص الأندية الذي تملك وزارة الرياضة ملفه.
زوايا..
. أتمنى على وزارة الرياضة بالتعاون مع اتحاد الكرة إطلاق مشروع وطني لتطوير التحكيم المحلي، باستراتيجية ذات مستهدفات واضحة ودقيقة ولمدة خمس سنوات، ويرصد له ميزانية كافية ويقوم عليه خبراء متخصصون في مجال التحكيم من نخبة حكام العالم.
. عندما أراد اتحاد الكرة تطوير الحكم المحلي وجعل الأندية تعتمد عليه رفع قيمة تكاليف استقدام الحكم الأجنبي! ليجبر الأندية على الحكم المحلي.!
الأندية يجب أن تقتنع بقدرات الحكم المحلي وبأنه تطور على أرض الواقع وليس بالإجبار من خلال تعجيزها عن دفع قيمة الاستعانة بالحكم الأجنبي.
. أتمنى أن أرى لجنة الحكام وقد رأسها خبير تحكيمي بقيمة الإيطالي بييرلويجي كولينا، وأن يكون جميع أعضاء اللجنة من الخبراء التحكيميين الأجانب.
. الحلول لمشكلة التحكيم المحلي السعودي يجب أن تكون جذرية وشاملة. فالحلول الوقتية والجزئية غير فعالة أمام أزمة تراكمت عليها السنين بلا علاج.
. تصحيح مسار التحكيم المحلي تأخر كثيراً، وكان يجب أن يبدأ مع انطلاق أول دوري للمحترفين 2009، ومرت الكرة السعودية بمنعطفات كثيرة في مسيرتها، وكلها تفرض تصحيح المسار ولكن بلا فائدة. وتجاهل تطوير التحكيم المحلي غير مفهوم من الجهة المسؤولة.