هدى بنت فهد المعجل
عندما يصل الإنسان إلى مرحلة الوعي، لا يحدث ذلك فجأة ولا يأتي كمنحة سهلة، بل غالبًا يكون نتيجة تراكم تجارب، خيبات، أسئلة، وصدمات صغيرة وكبيرة شكّلت نظرته للحياة. الوعي هنا لا يعني المعرفة السطحية أو كثرة الاطلاع، بل يعني أن يرى الإنسان الأشياء كما هي، دون زينة، ودون أوهام مريحة. وحين يصل إلى هذه المرحلة، يلاحظ من حوله تغيرًا واضحًا في سلوكه: يقل كلامه، يضيق محيطه الاجتماعي، ويميل إلى العزلة والاختفاء. هذا التحول لا يكون هروبًا، بل اختيارًا واعيًا.
الإنسان الواعي يدرك أن كثيرًا من العلاقات تُبنى على المجاملات، المصالح، أو الخوف من الوحدة، لا على الصدق الحقيقي. ومع هذا الإدراك، يصبح الاحتكاك اليومي مرهقًا، لأن الوعي يجعل الزيف أكثر وضوحًا، ويجعل الصمت أصدق من الكلام، والبعد أرحم من القرب المزيّف. لذلك، يختار العزلة ليس كرفض للناس، بل كحماية لذاته من الاستنزاف.
العزلة في هذه المرحلة ليست وحدة قاتلة، بل مساحة لإعادة التوازن. هي لحظة يراجع فيها الإنسان أفكاره، يعيد ترتيب أولوياته، ويتصالح مع ذاته بعيدًا عن ضجيج التوقعات الخارجية. فالإنسان قبل الوعي كان يعيش محاطًا بالأصوات: آراء الآخرين، أحكامهم، مقارناتهم، ونصائحهم غير المطلوبة.
أما بعد الوعي، فيصبح صوته الداخلي هو الأهم، ويحتاج إلى الهدوء ليسمعه بوضوح.
الاختفاء أيضًا ليس ضعفًا، بل شجاعة. شجاعة أن يقول الإنسان: «لا أحتاج أن أشرح نفسي للجميع، ولا أن أكون حاضرًا في كل مكان، ولا أن أُرضي كل من حولي».
فالوعي يكشف أن السعي الدائم للقبول يكلّف الإنسان نفسه، وأن الحفاظ على السلام الداخلي أهم من إثبات أي شيء لأي أحد. لذلك، يختار الواعي أن يقلّ ظهوره، لا لأن قيمته قلت، بل لأن قيمته أصبحت أوضح لديه.
ومن سمات هذه المرحلة أن الإنسان يصبح انتقائيًا في وقته ومشاعره. لم يعد قادرًا على المجاملات الطويلة، ولا على العلاقات الرمادية، ولا على الجدالات العقيمة.
هو لا يكره الناس، لكنه لم يعد يحتمل التفاهة أو التكرار أو الدوائر المغلقة من الشكوى دون تغيير. العزلة هنا تعمل كفلتر، تُبقي القليل الصادق، وتُبعد الكثير المُتعب.
قد يُساء فهم هذا التحول من قبل الآخرين، فيُتهم الإنسان بالغرور، البرود، أو الانطواء.
لكن الحقيقة أن الوعي غالبًا يُشبه الاستيقاظ في غرفة مظلمة؛ من استيقظ يرى كل شيء بوضوح، بينما من ما زال نائمًا يظن المستيقظ غريبًا. لذلك، لا يحاول الواعي إقناع الجميع بخياراته، بل يكتفي بأن يعيشها.
إذًا العزلة التي تأتي بعد الوعي ليست نهاية العلاقات، بل بدايتها الحقيقية. هي مرحلة مؤقتة أو دائمة يعيد فيها الإنسان تعريف نفسه، ليعود – إن عاد – أكثر صفاءً، أقل تعلقًا، وأصدق حضورًا. فالاختفاء أحيانًا ليس انسحابًا من الحياة، بل عودة عميقة إلى الذات، ومنها يبدأ الإنسان حياة أكثر اتزانًا وصدقًا.