عبد الله سليمان الطليان
وَنَحنُ أُناسٌ لا تَوَسُّطَ عِندَنا
لَنا الصَدرُ دونَ العالَمينَ أَوِ القَبرُ
هذا بيت من الشعر قائله أبو فراس الحمداني (هو الحارث بن سعيد بن حمدان، كنيته أبو فراس، أحد أبرز شعراء العصر العباسي في القرن الرابع الهجري) لن أتحدث عن الشاعر، فقط استعنت بهذا البيت لكي أدلف الى عنوان المقال الذي هو ملازم لجميع البشر بدرجات وحسب مواقف مختلفة كبيرة او محدودة في نطاق ضيق. عند الكثير من الناس في أنها تعطى قيمة للإنسان على وجه الأرض، ولذلك دخلوا في صراع للحصول عليها وبحسب قدرات كل إنسان وإن كان الأبرز والأهم في هذه القدرات وعلى مر الزمن هو تملك المال الذي طغى على النفس وبتصاعد رهيب مع تغير الوقت.
لقد كان التهافت الكبير لبلوغ المكانة محط تفسير معمق في الغرب.
نأخذ جانبا من هذا التفسير وفق رأي الكاتب والفيلسوف البريطاني آلان دو بوتون من خلال أجزاء بسيطة من كتابه (قلق السعي إلى المكانة).
حيث يقول: تشير كلمة المكانة إلى موقع المرء قانونيا ومهنيا داخل المجتمع. ولكن بالمعنى الأشمل، وهو الأوثق صلة بموضوعنا هنا، تشير إلى قيمة المرء وأهميته في أعين الناس.
تمنح المجتمعات المختلفة المكانة لمجموعات مختلفة من الأشخاص: صيادي الحيوانات المحاربين، العائلات العريقة الكهنة، الفرسان المرأة الولود. ومنذ العام 1776 في الغرب (ذلك النطاق الغامض، والمفهوم مع ذلك، والذي نتناوله هنا) صارت المكانة تمنح بناءً على ما يحوزه المرء من المال.
للمكانة العالية نتائج مُستحبة تتضمن وفرة الموارد، الحرية، الرحابة، الراحة، الوقت، وربما ما لا يقل أهمية، إحساس المرء بأنه موضع اهتمام وتقدير - وهو ما يتم عبر تلقي الدعوات للمناسبات الاجتماعية والإطراء والضحك (حتى لو كانت النكتة سخيفة) وإبداء الاكتراث والاهتمام..
كثيرون يعتبرون المكانة العالية من بين أفخر وأثمن الأمتعة الدنيوية وقليلون من يعترفون بذلك صراحة.
قلق المكانة: قلق خبيث إلى حد يجعله قادراً على إفساد مساحات شاسعة من حياتنا يساورنا خشية فشلنا في مجاراة قيم النجاح التي وضعها مجتمعنا، وخشية أن يتم تجريدنا نتيجة لهذا الفشل من شرف المنزلة والاعتبار، قلق من أننا نشغل في الوقت الراهن درجةً بالغة التواضع، ومن أننا قد ننزلُ إلى درجةٍ أدنى عما قريب.
من مثيرات هذا القلق، بين عوامل أخرى، الركود والكساد العمالة الزائدة على الحاجة، حركة الترقيات التقاعد، الأحاديث مع زملاء في المجال نفسه، مقالات الصحف التي تقدم الأصدقاء البارزين والأكثر نجاحا على قرار الحسد (الملازم لهذا الانفعال) قد يُعتبر الكشف عن أي قدر من هذا القلق طيشًا اجتماعياً، وبالتالي فمن النادر ظهور أدلة على الدراما التي تجري داخل نفوسنا، وغالباً ما تبقى تلك الأدلة منحصرة في نظرةٍ مهمومة، أو ابتسامة هشة، أو وقفة في الحديث طالت أكثر من اللازم بعد أنباء عن إنجازٍ حققه شخص آخر.
إذا كان موقعنا على درجات السلم مصدرا لكل هذا الهم، فذلك لأن صورتنا الذاتية تعتمد بشدة على ما يراه الآخرون فينا، وباستثناء أفراد نادرين، فإننا نستند إلى علامات الاحترام من الناس لكي نتقبل أنفسنا.
يبقى الأشد مدعاة للأسف أن تحقيق المكانة مهمة صعبة والاحتفاظ بها على مدار عمر كامل أشد صعوبة من تحقيقها. فيما عدا بعض المجتمعات التي تتحدد فيها المكانة بحكم المولد وتكفلها لنا الدماء النبيلة التي تجري في عروقنا، فإن موقعنا يتوقف على ما نستطيع تحقيقه؛ وقد نفشل بسبب الغباء أو ضعف معرفتنا لذاتنا أو بسبب الحالة الاقتصادية العامة أو المكائد والضغائن.
ومن الإخفاق سوف تتدفق المهانة : وهي وعيٌ حارقٌ بعجزنا عن إقناع العالم بقيمتنا ومن ثم يُحكم علينا بالنظر إلى الناجحين بمرارة وإلى أنفسنا في خزي.
أشار الكاتب آلان دو بوتون إلى الصراع الذي ينشا بين الأغنياء والفقراء وطبقات المجتمع المختلفة، من حيث النظرة كالغطرسة والغرور والاحتقار، وضرب فيه أمثله في ذلك تجمع بين تملك المال والتعامل، والعرق والجنس.
وفي نهاية الكتاب، قال إنها قدر من الله في هذا، واعتبر أن الماديات هي الأشد تأثيراً في عصرنا لبلوغ المكانة.