د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
لم يعد التحدي في عصرنا الحاضر هو غياب الأفكار، بل في تزاحمها وتسارعها. فنحن أمام موجٍ متلاحق من الأطروحات والرؤى والتصورات، يعبر الحدود بلا استئذان، ويتسلل إلى العقول عبر الإعلام والمنصات الرقمية، ويقدَّم أحيانًا في صورة براقة تخفي خلفها كثيرًا من الإشكالات.
ومع هذا المشهد المتشابك، يصبح الخطر الحقيقي ليس في وجود الأفكار ذاتها، بل في سوء التعامل معها؛ إذ إن الاندفاع غير الواعي قد يقود إلى الغرق، كما أن الجمود والإنكار المطلق لا يقل خطرًا عنه. فالنجاة لا تكون بالهروب من الموج، بل بإتقان السباحة فيه.
ومن المهم هنا التأكيد على أن المملكة العربية السعودية لم تتعامل مع هذا الواقع بمنطق الإغلاق أو المصادمة، ولا بمنطق التفلت وترك الساحة بلا ضوابط، بل اختارت طريقًا واعيًا يقوم على الاعتدال، وبناء الوعي، وترسيخ المنهج الوسطي في التعامل مع الأفكار، وهو ما أكدته القيادة في أكثر من مناسبة، حين شددت على أن قوة المجتمعات لا تكون بعزلها عن العالم، بل بترسيخ هويتها، وتعزيز قدرتها على التمييز والاختيار.
وقد أكّد خادم الحرمين الشريفين، وسمو سيدي ولي العهد – في مناسبات متعددة – أن المعركة الحقيقية اليوم هي معركة وعي، وأن حماية المجتمع لا تكون فقط بالإجراءات، بل ببناء الإنسان القادر على الفهم، والفرز، والموازنة بين الانفتاح والثوابت، وبين التفاعل مع العالم والحفاظ على القيم.
وفي هذا الإطار، يظهر بوضوح الدور المحوري الذي تضطلع به الدولة عبر التعليم، والإعلام، والمؤسسات الثقافية والفكرية، في تحصين العقول، وتعزيز التفكير النقدي، وتقديم خطاب متزن لا يضخم الخوف من الأفكار، ولا يبرر الاستسلام لها. فالفكرة لا تُواجه بالفكرة وحدها، بل بمنهج متكامل يُحسن القراءة، ويضبط التلقي، ويمنح المجتمع أدوات الفهم.
إن المجتمعات التي تفتقد هذا المنهج تتحول إلى ساحة مفتوحة لكل موجة عابرة، أما المجتمعات التي تستند إلى دولة واعية، ورؤية واضحة، فإنها قادرة على التفاعل دون ذوبان، والاستفادة دون فقدان الاتجاه.
نحن اليوم أمام موجٍ فكري لا يتوقف، لكننا لسنا بلا بوصلة.
فحين تقترن القيادة بالوعي، والانفتاح بالمسؤولية، يصبح الموج فرصةً للتقدم، لا سببًا للغرق.