د. محمد بن أحمد غروي
اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة العام الماضي قرارًا بموجبه أعلنت يوم 28 يناير يومًا دوليًا للتعايش السلمي، لتعزيز التسامح واحترام التنوع الديني والثقافي وصون حقوق الإنسان. اليوم العالمي للتعايش السلمي يعد فرصة لتعزيز التفاهم بين الأمم، وتوطيد الروابط الإنسانية، وبناء عالم أكثر سلاماً، وتعزيز القيم الأساسية كالتسامح والاحترام المتبادل والعدل والجهود الجماعية للقضاء على النزاعات والكراهية في عالم حديث اتسم بالاضطراب وزيادة نبرات الكراهية. فهي المرة الأولى للاحتفاء مع منظمات المجتمع المدني والعالمي من خلال أنشطة نوعية ترسخ ثقافة السلام والشمول والفهم المتبادل.
قدمت دول جنوب شرق آسيا نموذجًا جيدًا وداعمًا للتعايش السلمي إقليميًا ومع دول العالم، فمنذ عام 1976 أُبرمت معاهدة الصداقة والتعاون في جنوب شرق آسيا والتي تجسد مبادئ عالمية للتعايش السلمي بين دول رابطة آسيان. وتُعدّ هذه المعاهدة قانونًا ملزمًا للعلاقات بين الدول في المنطقة وخارجها. وقد عُدّلت المعاهدة ثلاث مرات، في أعوام 1987 و1998 و2010، للسماح بانضمام دول من خارج جنوب شرق آسيا، وكذلك المنظمات الإقليمية التي تضم دولًا ذات سيادة. وبحلول أكتوبر 2024، بلغ عدد الأطراف التي اعتمدت معاهدة الصداقة والتعاون 55 طرفًا.
ولعل من أبرز ما يوطد التفاهم بين الشعوب هو الحوار بين الأديان كخطوة أولية في تلافي الصدام الحضاري وتحقيق التعايش السلمي بين الأفراد والدول، إذ يمكن لأصحاب كل دين التعرف على خصوصية الأديان الأخرى وبالتالي احترام هذه الخصوصية لإقامة حوار بين الحضارات المختلفة. وتعمل عدة دول في المنطقة على دعم التعايش السلمي العالمي القائم على التسامح والتفاهم الديني والاعتدال بتنظيم المؤتمرات الحوارية بين الأديان. فعلى سبيل المثال انطلقت من بالي في إندونيسيا النسخة الأولى من قمة الأديان لمجموعة دول العشرين، كمنصة عالمية للأديان لتقريب وجهات النظر بين معتنقي مختلف الأديان، إلى جانب مناقشة القضايا التي تشترك فيها الأديان مثل منظومة القيم.
كما يرى العالم إندونيسيا أنموذجًا للدولة المتسامحة دينيًا حيث يمكن أن تعيش مختلف الجماعات الدينية إلى جانب بعضهم البعض في انسجام. إذ تعرف إندونيسيا بالتعدد العرقي والديني. كما يمثل الدين جزءًا مهمًا لدى الإندونيسيين حيث تبلغ نسبة المسلمين من سكان إندونيسيا حوالي 88% يليها المسيحيون بنسبة تقارب 9% ثم الهندوس بحوالي 2% والبوذية بنسبة 1%. ولدى إندونيسيا حوالي 300 مجموعة عرقية مختلفة وبما يصل إلى 250 لهجة محلية بين سكان البلاد يشهد الأرخبيل تنوعًا قد يكون الأثرى عالميًا. ويكفل الدستور الإندونيسي هذه التعددية ويحمي التعايش السلمي بين مختلف الأعراق من خلال عقيدة «بانكسيلا» أو المبادئ الخمسة التي تقضي بمدنية البلاد وإرساء قواعد التعددية العرقية وتحقيق الانسجام الديني.
كوالالمبور استضافت غير مرة القمة الدولية للقادة الدينيين بدعم كبير من لدن رئاسة الوزراء الماليزية ورعاية من رابطة العالم الإسلامي بحضور شخصيات فكرية ودينية بهدف تعزيز الوئام بين أتباع الأديان في العالم، وحل مشكلات التعايش ومواجهة أفكار التطرف والصدام الحضاري وما ينتج عنها من كراهية وتصحيح المفاهيم حول الإسلام. وفي ماليزيا يولي المجتمع والحكومة اهتمامًا كبيرًا بتعزيز التعايش السلمي بين مختلف الأعراق، ويبرز ذلك في عدد من السياسات جعلت من ماليزيا مثالًا عالميًا في تعزيز ثقافة التعايش السلمي بين الأديان، مؤكدًا ضرورة معالجة قضية الإسلاموفوبيا بشكل مشترك من خلال الحوار والتواصل الفعال. كما أطلقت ماليزيا مختبر السلام (Peace Lab) وهو برنامج رائد تابع لمبادرة تعزيز التسامح ومنع العنف مخصص لتعزيز الحرية الدينية وتقوية التعايش السلمي في ماليزيا، وتسعى المبادرة إلى معالجة تصاعد التطرف والتوترات الناجمة عن الكراهية الدينية والعنصرية. كما جعلت الحكومة الوئام بين مختلف الأديان ركيزة أساسية لضمان تطبيق مبادئ التسامح والاحترام المشترك في الحياة اليومية للمواطنين.
أيضاً عاصمة كمبوديا، بنوم بنه، استضافت مؤتمر قمة الإسلام مؤكدة أن مفهوم التعايش بين الأديان والتسامح الديني ضرورة، وأهمية الترويج للفهم الصحيح للإسلام بعيدًا عن مفاهيم المغالاة التي ينسبها البعض للدين الإسلامي.
سنغافورة من أكثر دول العالم تنوعًا دينيًا، وتصدّرت القائمة في دراسة أجراها مركز بيو للأبحاث عام 2014، إذ تضم العديد من الجماعات العرقية وبها منظمات تعزز الوئام بين الأديان والتعايش السلمي بين أفراد المجتمع، مثل دائرة الوئام العرقي والديني والمنظمة المشتركة بين الأديان في سنغافورة (IRO). وحتى عام 2022 وقّعت أكثر من 771 منظمة دينية في سنغافورة على التزامٍ بالحفاظ على الوئام الديني بدعمٍ من دائرة الوئام.