رسيني الرسيني
في توقيت بالغ الأهمية، تأتي الإستراتيجية الوطنية لقطاع التأمين لتعكس وعيًا مؤسسيًا بدور هذا القطاع بوصفه أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي وإدارة المخاطر في الاقتصادات الحديثة.
وقد أُعلن عنها مؤخرًا محملة بوعود طموحة وآفاق واسعة بحلول عام 2030م، في انسجام واضح مع مستهدفات رؤية المملكة ومحاورها الثلاثة: اقتصاد مزدهر، ومجتمع حيوي، ووطن طموح.
فالتأمين لم يعد مجرد أداة تعويض، بل أصبح رافعًا للتنمية، ومحفزًا للاستثمار، وممكنًا للابتكار.
ومن هذا المنطلق، تسعى الإستراتيجية إلى إعادة تشكيل القطاع ليكون أكثر كفاءة وعمقًا وشمولية، وقادرًا على مواكبة التحولات الاقتصادية، ودعم النمو المستدام، وتعزيز ثقة الأفراد وقطاع الأعمال في منظومة إدارة المخاطر الوطنية.
ترتكز الإستراتيجية الوطنية لقطاع التأمين على ثلاثة أهداف رئيسية، تتمثل في تعزيز الحماية التأمينية لأفراد المجتمع وقطاع الأعمال، وتطوير سوق تأمين مستدام وفعّال، والتمكين وتوفير التغطية التأمينية للمخاطر الوطنية، حيث تمثل هذه الأهداف رؤية متكاملة تعالج الفجوات القائمة وتؤسس لقطاع أكثر نضجًا ومرونة، قادر على الاستجابة للتحديات المستقبلية.
وقد عكست الإستراتيجية هذا التوجه من خلال تضمينها 11 برنامجًا وممكنًا شملت الأنظمة والتشريعات، والتقنية والذكاء الاصطناعي، والتأمين الصحي، وتأمين المركبات والممتلكات والحوادث، إضافة إلى الحماية والادخار. كما تضمنت برنامجًا خاصًا بإعادة التأمين الذي يُعد نقلة نوعية للقطاع بصفته مرآة لسوق التأمين ونموه.
ومن بين الوعود الطموحة، استهداف زيادة حجم سوق التأمين من نحو 76 مليار ريال في عام 2024م إلى أكثر من 140 مليار ريال بحلول عام 2030م، إلى جانب رفع نسبة مساهمة القطاع في الناتج المحلي غير النفطي إلى 3.6 % مقارنة بنسبة 2.59 % حاليًا.
ورغم أن التقديرات السابقة ضمن برنامج تطوير القطاع المالي كانت تشير إلى إمكانية بلوغ نسبة 4.3 %، إلا أن إعادة ضبط المستهدفات بما يتوافق مع الظروف الاقتصادية والإمكانات المتاحة يُعد نهجًا واقعيًا ومسؤولًا.
وبكل الأحوال، يبقى المعدل الجديد هدفًا طموحًا يتطلب إدخال منتجات تأمينية نوعية، وتوسيع نطاق التغطيات، وتعزيز الابتكار، بما يسهم في تعظيم الأثر الاقتصادي للقطاع.
من الجوانب اللافتة في الإستراتيجية، استهدافها مضاعفة عدد الوظائف في سوق التأمين من نحو 17.5 ألف وظيفة إلى ما يزيد عن 38 ألف وظيفة بحلول عام 2030م، وهو هدف نبيل يعكس البعد الاجتماعي للتنمية الاقتصادية.
غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب خلق وظائف نوعية تتواءم مع التحول التقني المتسارع الذي ألغى العديد من الوظائف التقليدية.
فالمستقبل يتطلب كوادر متخصصة في تحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، وإدارة المخاطر، والتقنيات التأمينية الحديثة. ومن هنا، تبرز أهمية الاستثمار في رأس المال البشري، وتطوير المهارات، وبناء مسارات مهنية مستدامة تجعل من قطاع التأمين بيئة جاذبة للكفاءات الوطنية.
حسنًا، ثم ماذا؟
تمثل الإستراتيجية الوطنية لقطاع التأمين خارطة طريق واضحة لمرحلة جديدة من النمو والتكامل، سترسم ملامح قطاع حيوي سيكون له دور محوري في دعم اقتصاد المملكة، وتعزيز استدامته، وتحقيق مستهدفات الرؤية الطموحة.