يحيى جابر
الاتصال المؤسسي والإعلام قوة ناعمة هامة، ومن أهم المحركات الحيوية في بيئة العمل الحديثة، سواء على مستوى الوزارات أو الهيئات أو المؤسسات الكبرى. فوجود إدارة اتصال مؤسسي وإعلام فاعلة لم يعد خيارًا تنظيميًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية لضمان وضوح الرسائل، وتعزيز علاقة المؤسسة بجمهورها، وتقديم صورة دقيقة وواقعية عن الجهود المبذولة، وتتجلى أهمية هذه الإدارة في قدرتها على تنظيم تدفق المعلومات، وتفسير القرارات، وبناء الثقة بين المؤسسة والمجتمع عبر التواصل الشفاف والمستمر.
وتكمن أهمية هذه الإدارة الحساسة في كونها الجسر الذي يربط المؤسسة بمحيطها الداخلي والخارجي؛ فهي المسؤولة عن تحويل الأنشطة والبرامج إلى رسائل واضحة يفهمها الجمهور بسهولة، كما تعمل على تنسيق العلاقة بين المؤسسة ووسائل الإعلام، وإدارة حضورها الرقمي، وقياس اتجاهات الرأي العام وملاحظاته، وكلما كان هذا الاتصال قائمًا على الاحترافية والمصداقية، انعكس ذلك إيجابًا على جودة الصورة الذهنية للمؤسسة لدى أفراد المجتمع.
أما الإعلام، فهو الشريك المكمل الهام لدور الاتصال المؤسسي، إذ يضطلع بمهمة نقل الحقائق والقرارات للمجتمع بصورة موضوعية، ويعمل على تحليل الأحداث وتقديمها للجمهور بلغة بسيطة ومباشرة، وقد اكتسب الإعلام أهمية مضاعفة في السنوات الأخيرة مع تطور المنصات الرقمية وتسارع انتشار المعلومات، مما يتطلب دقة أكبر في نقلها، ووعيًا مؤسسيًا قادرًا على توفير المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب وبأسلوب مهني لا يتقنه سوى المحترفين من المتخصصين في الإعلام، ومن خلال الإعلام المهني، يستطيع المجتمع إدراك حجم الجهود الحكومية والمشاريع الوطنية بعيدًا عن التأويل أو التضليل أو التهويل، تنقل بموضوعية، وعبر وسائل إعلام رصينة.
وعند الحديث عن الاتصال المؤسسي والإعلام، لا بد من الوقوف عند بعض التعريفات الأساسية، فالاتصال المؤسسي هو نشاط استراتيجي يهدف إلى إدارة العلاقة بين المؤسسة وجمهورها عبر رسائل مهنية تمثل رؤيتها وهويتها وأهدافها، وأما الإعلام فهو المنبر المعني بجمع المعلومات وتحليلها ونشرها عبر وسائل متعددة بهدف تثقيف المجتمع وتوعيته وإيصال الحقائق إليه بصورة واضحة وسهلة، وبأسلوب مهني احترافي قولًا وفعلًا.
وقد شهد الاتصال المؤسسي تطورًا كبيرًا منذ منتصف القرن العشرين، خصوصًا مع توسع المؤسسات الحديثة وزيادة الحاجة إلى التواصل المنظم، ومع مرور الوقت، أصبحت إدارة الاتصال جزءًا أساسيًا من الهيكل الإداري للمؤسسات الحكومية، تسهم في صياغة الرسائل وإدارة السمعة وتعزيز الشفافية، وفي المقابل، مرّ الإعلام بمراحل تطور متعددة بدأت بالصحافة المطبوعة، ثم الإذاعة والتلفزيون، وصولًا إلى الإعلام الرقمي الذي جعل سرعة المعلومة عنصرًا أساسيًا في التواصل مع الجمهور.
ويبرز الدور الأكبر للاتصال المؤسسي والإعلام في نقل الصورة الحقيقية لجهود الدولة حفظها الله، في مختلف القطاعات، فالدولة تبذل جهودًا ضخمة في التنمية والاقتصاد والبنية التحتية والخدمات، وهذه الجهود يجب أن تصل إلى المجتمع كما هي، دون مبالغة أو تجميل غير مبرر، فحجمها الكبير يغني عن التضخيم أو التقليل، وتظهر أهمية هذا الدور في تقديم الحقائق عبر رسائل رسمية دقيقة تعتمد على بيانات صحيحة وأرقام واضحة وأسلوب مهني يوضح للمواطن حجم العمل الوطني الجاري، ويعزز الشعور بالفخر والانتماء والثقة في المعلومة.
ومن هنا، أصبح لزامًا على الوزارات والجهات الحكومية إيلاء إدارة الاتصال المؤسسي اهتمامًا كبيرًا؛ فهي الإدارة التي تحفظ حق المجتمع في المعرفة، وحق المؤسسة في إبراز جهودها، وتدعم صانع القرار بالمعلومات، كما تسهم في بناء جسور الثقة بين المواطن والمؤسسة الحكومية أو الخاصة، وتعمل على رصد ملاحظات الجمهور ومتابعتها، مما يسهم في رفع جودة الخدمات وتعزيز التطوير المستمر، وبالطبع يحتاج ذلك مهنية عالية في اختيار القائمون بالاتصال والمسؤولين عن هذا الجانب الحساس للغاية دون مجاملة أو إهمال فالاتصال المؤسسي والإعلام يحفظ جهودا كبرى مالية وإدارية وغيرها، ويسهم في رسم صورة ذهنية إما جيدة أو سلبية حسب كفاءة الإدارة والاختيار لهذا العمل المهم.
ولا يمكن الحديث عن الاتصال المؤسسي والإعلام دون التأكيد على دورهما المحوري في بناء السمعة المؤسسية؛ فالسمعة ليست شعارًا ولا حملة عابرة، بل هي نتاج سنوات من العمل الشفاف والتواصل الصادق وإدارة المعلومات باحترافية، وتؤثر السمعة بشكل مباشر على مكانة المؤسسة وثقة المجتمع بها، وتنعكس على جودة خدماتها وصورتها أمام الجمهور، وأي خلل في هذا الجانب قد يكلف المؤسسة خسارة جهود كبيرة وسنوات من العمل والإنفاق.
وفي المحصلة، فإن الاتصال المؤسسي والإعلام يشكلان معًا ركيزة أساسية لنقل الواقع وبناء الوعي وصناعة الثقة والسمعة والجودة، فمن خلالهما يمكن للمجتمع أن يرى الجهود الوطنية في صورتها التي تستحقها، الواضحة، كذلك واقعية، ومبنية على الحقائق، بما يعزز الاستقرار ويقوي الانتماء ويجعل الرسالة الوطنية أكثر تأثيرًا ووضوحًا، ومصداقية وأهمية.
ولا عجب أن كثيرًا من المؤسسات الناجحة تضع ضمن أولوياتها استقطاب مسؤولي اتصال مؤسسي وإعلام محترفين وأصحاب كفاءة عالية، وبمقابل مادي مرتفع، إدراكًا منها لأهمية هذا الدور الحساس والفعال.
** **
- متخصص في الإعلام