مبارك بن عوض الدوسري
لم تكن علاقة الفريق أول سعيد بن عبدالله القحطاني -رحمه الله- بالحركة الكشفية علاقة عابرة أو بروتوكولية، بل كانت علاقة تقدير ودعم وإيمان حقيقي بدور الكشافة في خدمة ضيوف الرحمن، تجلَّت بوضوح منذ توليه مهام مدير الأمن العام ابتداءً من عام 1425هـ، حيث كان ينظر إلى الكشافين بوصفهم شركاء ميدان، يكمِّلون المنظومة الأمنية والإنسانية في مواسم الحج والعمرة وشهر رمضان المبارك.
لقد حظيت جمعية الكشافة العربية السعودية خلال تلك المرحلة بدعم واهتمام خاص من القحطاني، الذي كان يثني في كلماته وتصريحاته الميدانية على ما يقدمه الكشَّافون من أعمال تطوعية منظمة، تقوم على الانضباط، وحسن التعامل، وسرعة الاستجابة، وخدمة الإنسان قبل المكان؛ وكانت إشادته بجهودهم في خدمة حجاج بيت الله الحرام والمعتمرين تمثِّل حافزاً كبيراً لهم، ودافعاً لمزيد من العطاء، حيث كانوا يستشعرون قيمة ما يقومون به حين يصدر التقدير من قائد أمني ميداني يدرك حجم الجهد والتحديات.
وفي الميدان، لم تكن كلمات الفريق أول سعيد القحطاني مجرد عبارات ثناء، بل كانت دروساً عملية في الانضباط والالتزام، وهما من أهم القيم التي تقوم عليها الحركة الكشفية؛ كان حديثه للقيادات الكشفية مباشراً وصادقاً، يغرس فيهم أهمية النظام، واحترام التعليمات، والعمل بروح الفريق، وهي ذات المبادئ التي يتربى عليها الكشَّاف منذ انضمامه للحركة؛ ولذلك وجد القادة الكشفيون في شخصه نموذجاً حياً لما يؤمنون به، ومدرسة قيادية يتعلمون منها دون تكلف.
كما كان -رحمه الله- مثالاً في التطوير المستمر، وهو ما يلتقي مع تطلعات الكشَّافة في أن يكون كل موسم حج أفضل من سابقه؛ فقد عُرف عنه حرصه على تقييم الأداء، والاستفادة من التجارب، وتطوير الآليات، وهو ذات النهج الذي تعمل عليه الكشَّافة في برامجها وخططها الموسمية؛ هذا التقاطع في الفكر القيادي جعل العلاقة بين الأمن العام والكشَّافة علاقة تكامل حقيقي، تقوم على الثقة والاحترام المتبادل.
ولم يكن إخلاصه للوطن وولاؤه الصادق لولاة الأمر محل إشادة في الأوساط الأمنية فحسب، بل كان محل تقدير الكشَّافين الذين رأوا فيه قدوة في منح العمل حقه، والالتزام بالمسؤولية، وكسب الآخرين بحسن الخلق والتواضع، وتشجيع المرؤوسين وتحفيزهم، وهي صفات قيادية أصيلة يحرص قادة الكشَّافة على ترسيخها في نفوس منتسبيهم.
ولهذا، كان الكشَّافون يتطلعون إلى لقاء الفريق أول سعيد القحطاني في مختلف المناسبات، لا لمجرد السلام أو الصورة التذكارية، بل للاستماع إلى توجيهاته ونصائحه، والاستفادة من خبرته الطويلة في العمل الميداني، حيث كان حديثه يترك أثراً عميقاً في نفوسهم، ويمنحهم شعوراً بالفخر بما يقدمونه لوطنهم ولضيوف الرحمن.
وبرحيل هذه القامة الأمنية، يفقد الوطن أحد رجاله المخلصين، وتفقد الكشَّافة أحد الداعمين الكبار الذين آمنوا برسالتهم، ووقفوا معهم في الميدان، وخلَّدوا بأفعالهم قبل أقوالهم معنى القيادة الصادقة؛ وسيبقى ذكر الفريق أول سعيد بن عبدالله القحطاني -رحمه الله- حاضراً في ذاكرة الكشَّافة، بوصفه قدوة قيادية وأمنية، أسهمت في تعزيز قيم الانضباط، والتطوير، وخدمة الإنسان، وهي القيم التي ستظل نبراساً للأجيال القادمة.