عبدالكريم بن دهام الدهام
في صباح يوم السبت 24 يناير 2026، غاب عن عالمنا صوتٌ لم يكن مجرد نبرةٍ إذاعية، بل كان رفيقاً للناس في بيوتهم، وذاكرةً حيّة ارتبطت بالهدوء والوقار والعلم.
رحل الإعلامي والمذيع الأستاذ عبدالكريم المقرن، أحد أبرز الأصوات التي صنعت وجدان المستمعين عبر إذاعة القرآن الكريم، وترك فراغاً لا يُملأ بسهولة.
لم يكن عبدالكريم المقرن مذيعاً عابراً في الأثير، بل كان رسالة تمشي على صوت.
حين يطل عبر برنامجي «نور على الدرب» و»فتاوى»، كان المستمع يشعر أنه يجلس في مجلس علم، تحفّه الطمأنينة، ويقوده سؤال صادق، ويجيبه علم راسخ.
كان صوته جسراً بين عامة الناس وأعضاء هيئة كبار العلماء، ينقل الفتوى بوضوح، والعلم بأمانة، ويقدّم الكلمة بوقار يليق بمقامها.
تميّز -رحمه الله- بأسلوبه الهادئ، واحترامه العميق للعلماء، ودقته في الطرح، فلم يكن يبحث عن الظهور، بل عن الأثر.
كان يعرف أن الكلمة مسؤولية، وأن الميكروفون أمانة، فحملها بصدق، وأدّاها بإخلاص، حتى أصبح صوته جزءاً من ذاكرة أجيال.
ولم يكتفِ بالأثير، بل وثّق مسيرته وذكرياته في مؤلفات قيّمة، سجّل فيها مواقف إنسانية وعلمية مع أصحاب السماحة والفضيلة، من أبرزها كتابه عن مواقفه وذكرياته مع كبار العلماء.
كتب لا تُقرأ فقط، بل تُحسّ، لأنها كُتبت بوفاء، ودوّنت تاريخاً شفهياً كان يمكن أن يضيع لولا حرصه عليه.
برحيله، لا نفقد إعلامياً فحسب، بل نفقد نموذجاً نادراً للإعلام الهادف، إعلامٍ لا يعلو صوته، لكنه يصل عميقاً، ولا يطلب التصفيق، لكنه يترك أثراً باقياً.
رحم الله عبدالكريم المقرن، وجزاه عن علمٍ بلّغه، وكلمةٍ صدقها، وصوتٍ خدم به دينه ووطنه.
وسيظل صوته، وإن غاب الجسد، حاضراً في ذاكرة الأثير، نوراً على الدرب، وطمأنينةً في القلوب.