مشعل الحارثي
تمضي بنا الأيام سراعاً ولا نكاد نعير لها بالاً واهتماماً ساهين لاهين وكأننا لن نغادرها في يوم من الأيام حتى نستفيق على تلك الحقيقة، وبعد أن تنشب الأقدار أظفارها وتنتزع منا إما قريب أو صديق أو زميل ورفيق درب أو جار عزيز فنلوم أنفسنا على تفريطنا وعلى غفلتنا عن هذه الحقيقة التي لا شك فيها ولا جدال، وعن هذه الدنيا التي كما عهدناها تجمع وتفرق ولا يدوم لها سرور.
كيف البقاء وباب الموت منفتح
وليس يغلق حتى ينفد البشر
أقول ذلك، ونحن لم نكد نكمل أفراحنا بعد بزواج ابن الأخت عبد الرحمن أحمد الحارثي قبل ما يقارب ثلاثة أسابيع حتى فوجئت بالخبر المؤلم برحيل والده أحمد معيض العمراني الحارثي يوم الجمعة 20 رجب 1447هـ بالمدينة المنورة إثر مرض عضال لم يمهله طويلاً، وكأنه أتى للطائف في هذه المناسبة ليودعنا الوداع الأخير فيستوفي نصيبه من الدنيا ويسلم الروح لبارئها، رحمه الله رحمة الأبرار وجعل ما أصابه من آلام ومرض مكفراً وقائداً له إلى فسيح الجنان.
وكل مصيبات الزمان وجدتها سوى فرقة الأحباب هينة الخطب
لقد عايشت وبحكم القربى وصلة النسب الكثير من مراحل حياة الفقيد رحمه الله ومعاناته في كثير من أمور الحياة، وخاصة عمله بأحد البنوك في مستهل حياته الوظيفية إلى أن أكرمه الله بنقل عمله لشركة كهرباء الطائف والتي أدرك بها شيئا من الراحة والاستقرار ولبضعة سنوات حتى صدور قرار الشركة بنقل عمله إلى المدينة المنورة، وان لم يكن مقتنعاً بهذا النقل ومغادرة الطائف التي بها والداه وكافة اسرته ليستقر بها ويكمل مشواره الوظيفي حتى تقاعده، ثم ينصرف لممارسة بعض أعماله الخاصة حتى وافاه الأجل المحتوم رحمه الله وغفر له.
لقد كنا وفي مرحلة الشباب أربعة من الرفاق تجمعنا ليالي السمر في أرض المصيف الجميلة ونلتقي بشكل منتظم مساء كل يوم في منزل الفقيد ونمضي معاً أجمل ساعات العمر بين طيب الأحاديث والمؤانسة واستذكار الدروس والعبر والعلوم النافعة من هذه الحياة، إلى جانب ممارسة بعض الألعاب المسلية حتى وقت متأخر من الليل والذي لا نكاد نشعر بمروره إلا عندما يلمح أحدنا في ساعة يده فينبهنا لذلك فننصرف على أمل بلقاء جديد في اليوم التالي.
وأرى أحبائي يساقطها الردى من بيننا كتساقط الأوراق
وقبل عدة سنوات مضى الرفيق الأول التربوي القدير الأستاذ راشد محيا الحارثي إلى جوار ربه، وتلاه وبعد عدة سنوات أخرى العقيد مهندس غازي معيض الحارثي ثم شقيقه الفقيد أحمد معيض الحارثي رحمهم الله جميعاً فانفض الجمع وبقيت وحيداً أندب تلك الأيام التي لن تتكرر.
ومن ذكريات العمر مع الفقيد فلا زلت أتذكر أيضاً تلك الرحلة البرية التي قمنا بها من مدينة الطائف إلى أبها قبل أكثر من (33) عاماً وبدون أي ترتيبات مسبقة وكانت برفقة الزميل والأخ جمال مبارك الحارثي بوزارة الخارجية، وقبل حلول شهر رمضان المبارك بعدة أيام، مررنا فيها على منطقة الباحة وقضينا بها يوم كامل، ثم اتجهنا إلى أبها البهية وقضينا بها أياما اخر، وتجولنا بمدنها ومحافظاتها الجميلة وسعدنا فيها بأمتع اللحظات والأوقات، وحدث لنا بها الكثير من المواقف والمفارقات الطريفة التي لا يتسع المجال لذكرها، الا اننا خرجنا بهذه الرحلة من صخب الدنيا ومتاعبها وهمومها لعدة أيام وأعادت لنا الروح لنقبل على الحياة من جديد.
لقد أدركت تماماً معنى فقد الأب عندما فقدت والدي - رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة-، فالأب هو العامود الأساسي لأي أسرة وهو فقد وبلا شك شديد القسوة والألم، وتذكرت ذلك عندما كنت أضع يدي في أيدي أبنائه معزياً ومواسياً، فلمحت بريق الدموع في عيونهم، وشعرت بما يشعرون به من الإحساس بالفراغ وأنهم فقدوا برحيل والدهم تلك الشجرة المظلة التي كانوا يستظلون بها حتى مضت وعادت إلى خالقها راضية مرضية بمشيئة الله.
ونحن نودع الفقيد إلى مرقده الأخير، وقد عرفته طوال حياتي رجلاً كريماً خلوقاً شهماً مجتهداً دؤوباً صبوراً على مآسي ومتاعب الحياة سباقاً إلى نجدة الآخرين، ولم يعرف عنه الا الكلمة الطيبة والفعل النبيل، فلا أملك إلا أن أدعو الله له بأن يسكنه أعالي الجنان ويتغشاه بالرحمة، وأن يجعل سعيه في هذه الدنيا مشكورا، وذنبه مغفورا، وعيبه مستورا، وأن يجعل الجنة له منزلاً ومقيلا، وأن يحفظه يوم الفزع الأكبر ويجعله آمناً مطمئناً قرير العين.
وأصدق التعازي القلبية أقدمها لزوجته وأم أبنائه كل من: وافي، وعبد الرحمن، وعبد الله، ومحمد وأخواتهم، وإخوان الفقيد كل من عبد العزيز، ومحمد، وخالد، وطلال وأخواتهم، وأبناء عمومتهم وكافة أسرة العمراني الحارثي، وأنسابهم الأعزاء من ذوي الشريف المنصوري ونايف الثبيتي.. وأن يلهم الجميع الصبر والسلوان، و{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.