رمضان جريدي العنزي
أنا صريح ومباشر، مكشوف وواضح، أتكلم بلا مواربة، ولا رموز، ولا خلف زجاج مظلل، أكتب ما يروق لي لا ما يروق لغيري، ولا أختفي خلف جدار النفاق السميك، لي وجه واحد، وكلمة واحدة، ولسان حق واحد، لا أتلون مطلقاً، أمقت كل عمل سيئ، وفعل رديء، وازدواجية خائبة، وتناقض مريب، وأكره من يمدح الرزانة، ثم ينزعها عن نفسه كأنها عبء ثقيل..
أنا لا اكتب لأرضي الناس، ولا أمدح مدحاً مزيفاً مقابل مصلحة شخصية، أو منفعة عابرة، ولا أركض وراء السخف كالطفل خلف بالونة ملونة، قلبي حي، وضميري ليس نائم، وولائي ثابت وكبير، ووطني يسكن في حجرات قلبي الأربعة، سيفه أنا ودرعه وحصنة المتين، أذود عنه في كل الميادين والمحافل، ونثري فيه رفيع، وأمقت كل سيئ ضده، وكل شرير مخرب حاسد حسود متقلب أجير، يبتغي الدمار والخراب والتيه له، وأحارب كل متربص به لعين، هامة العلو وطني، أرض النخل، خد التفاح، وبهاء اللون، وانسكاب الماء، وارتكاز القرار، والمسار الذي لا يشبه أي مسار، لهذا أرمي أعداءه بسهام من نار ومنجنيق، وكلام من حديد، ومفردات ثقيلة، أبتعد كثير جداً عن السبخ والطين والوحل، والسباحة في المستنقع الآسن، وأمقت الثعالب في جلود الحملان، الذين يمدحون في الحضور، ثم يذمون في الغياب، همهم الجيب والرصيد، ولا يهمهم الشخص، المتقلبون كأشرعة السفن الصغيرة، الذين لا قلب عندهم ولا عهد ولا أمانة، وأقرب لابليس من آدم، والذين لا ينتجون شيئاً سوى الضحيج والتنظير الأجوف، قلوبهم تحولت إلى ثلاجات متنقلة، ومشاعرهم إلى سلع منتهية الصلاحية، ويلبسون الأقنعة بحرفية تامة، قيح وصديد ودود، يتقيأون الكذب، ومن ثم يصفقون له، يعطونك وداً كاذباً، لتعطيهم مصلحة، ثم يرمونك في سلة المهملات حين ينفذ الرصد، هذا ليس نفاقاً عادياً، بل قذارة واضحة، كلامي مؤلم أحياناً لأنه صادق، وصادق لأنه مؤلم، سوط متين، ومشرط جراح محترف.
خطي مستقيم خال من الاعوجاج والالتواء، وصاحب مسار صحيح، سلوكي معتدل، وأبعد كل البعد عن الزيف والزيغ والانحراف، ظاهري كباطني، وباطني كظاهري، وأمارس في السر، ما أمارسه في العلن، لا أتختفي خلف البراقع، ولا أجيد لبسها، ولا ألهث وراء ما يحقق لي المكاسب والمرابح الشخصية وفق طرق ملتوية، ودهاليز معتمة، وممرات مشبوهة، ولا أقيم في منطقة الرماد، لا أكثر الكلام المعسول، ولا التنظير الممل، ولا أضحك على الذقون، ولا أتمرد عل القيم والموازين، لست نرجسيا ولا ذاتيا ولا أنانيا، ومهنتي جدية وعالية، وأرفض كل عقل فارغ، يشبه الآنية الفارغة التي لا تصدر سوى الصوت العالي والضجيج، وكل بوق ناعق مرتزق، يفسد الود، ويخرب العلاقات، ويحرث في الأرض ليزرع النبات المميت، ولا يصدر سوى الفحم والرماد، يعيش على فتات الإعجاب المصطنع، والليكات الباهتة، والرتيوت المزيف، أنا لا أبيع الكلام الرخيص، لأشتري رضا أحد بكذبة خادعة، أو ابتسامة مزيفة، أكره المداهنة، كما أكره النفاق والرياء، وأرفض السب والشتم والكلام البذيء والولوغ في الأعراض، الناس عندي مرايا، من فيها صدق رأيته كما هو، ومن فيها زيف رميته في الزاوية وأهملته.
لا أدعي كمالاَ، لكن أرفض النقص المقنع بالفضيلة، يأخذني الناس كما أنا أو يتركوني، النفاق عندي سقم، والمداهنة سم، والضحك على الذقون خيانة رخيصة، لا أتلون كالحرباء، ولا أغير جلدى كالحية، ولا أبدل وطنيتي حسب اتجاه الريح، أو حجم الكسب والغنيمة، الوفاء عندي سيف لا ينكسر ولا ينثني، والثبات راسخ كجبل صلد أشم، وأتقيأ من رؤية الوجوه الزئبقية، الذين يتبدلون ويتغيرون ويتحولون كخناجر مسمومة في ظهر الوطن، والذين يبيعون أنفسهم في المزادات الرخيصة كالأسمال البالية، كل حدث وهم في شأن وحال، يتغيرون كما تتغير الريح، ويتبدلون كما تتبدل الزواحف، يلغون ويهمزون ويلمزون ويهرفون حسب الوجة والمسار والهدف والاستفادة، كلامي على هؤلاء ليس لطيفا ولا خفيفا، بل سوط غليظ أجلدهم به حتى يذوب الزيف والبهت والخداع الذي فيهم، ويتبعون الحق والصواب، أو يهربون كالجبان الذليل، الذي باع وطنه بثمن بخس، وذهب يبحث عن الفتات على موائد الأعداء، ثم يرمون به على الأرصفة الباردة، ليأكله الدود والنسيان واللعنة الأبدية.