خالد بن عبدالرحمن الذييب
عجيبة هي كرة القدم، وما هو أعجب منها تلك الحالة الطاغية من «الحُلول والاتحاد» التي يعيشها المشجع مع الرمز المشهور؛ حيث يتجاوز الأمر حدود الإعجاب التقليدي بالمهارة الفنية، ليصل إلى مرحلة مبالغ فيها من «إفناء الذات في المحبوب».
إننا بلا شك أمام نسخة عصرية من الوجد الصوفي، يغيب فيها الفرد عن كيانه الخاص ليصبح «النجم» هو الحاضر الوحيد في وعيه المطلق وسيطرته العاطفية. إنها حالة استلاب وجداني تجعل المشجع يرى في انتصار المشهور نصراً شخصياً يرمم انكساراته، وفي دمعته خسارةً وجودية مؤلمة، وكأن ذاته الفردية لم تعد تكفي لتحقيق معنى وجوده إلا عبر التماهي المطلق في ظلال الآخرين.
عجيبة هي كرة القدم، بل والشهرة بشكل عام، كنموذج حي يكشف كيف يسقط أصحاب العقول والنخبة في فخ «التقديس المعاصر» وتأليه الصورة. إن تهافت هؤلاء لالتقاط صورة مع لاعب أو مشهور ما، ووصفه بـ «المتواضع» لمجرد منحه إياهم ابتسامة عابرة، يعكس أزمة أعمق في «فكر الشهرة» المتجذر في عقولنا؛ حيث استقر في الوعي الجمعي أن الأصل في المشهور هو الكِبر والتعالي، وما بساطته العارضة إلا منحة استثنائية تستوجب الامتنان والتبجيل. هنا تصبح الشهرة صكاً للسيادة الاجتماعية، ويتحول المشهور إلى كائن فوقي تُستمد منه القيمة الوجودية، بدلاً من أن تُستمد من الأثر الحقيقي الذي يتركه الإنسان في مجتمعه بصمت ودون صخب الأضواء.
عجيبة هي الشهرة بشكل عام، حين تُظهر بوضوح كيف تزلزل الدنيا دموع لاعب لخسارة مباراة عابرة، أو فنان على خشبة مسرح، بينما يمر استشهاد الجندي المرابط على الثغور أو تضحية الطبيب في غرف الإنعاش بصمت مطبق تحت لافتة «الواجب الوظيفي» العادي. إنها المفارقة المؤلمة التي صنعتها ثقافة «هالة الضوء» المعاصرة؛ حيث يُتوج من يخترق دفاعاً من عشب بطلاً أسطورياً تُكتب في «حرقة قلبه» المعلقات الطويلة، بينما يُصنف من يحمي الأرواح ويدافع عن الأوطان كـ»مؤدٍ لعمله» فحسب.
لقد نجحت صناعة الشهرة في تغيير بوصلة البطولة، حتى أصبحنا نقدس الهالات المصنوعة ونهمش الحقيقة الصارمة التي يمثلها أولئك الذين يؤمنون حدودنا ويرممون صحتنا بعيداً عن بريق الشاشات.
أخيراً ..
لست ضد المتعة الإنسانية، بل ضد انتحار المعنى والقيمة أمام سطوة الصورة التي زيّفت مفهوم العطاء الحقيقي.
ما بعد أخيراً ..
البطولة الحقيقية تكمن في «عظيم الأثر» لا في «هالة الضوء».