سارة الشهري
كان يمكن لأستراليا أن تكتفي بالنصح، كما نفعل جميعاً. أن تقول للأهل راقبوا أبناءكم. لكنها اختارت الطريق الأصعب والأصدق، أن تتحمل الدولة مسؤولية حماية الطفل من إدمان صامت يتسلل إلى غرف نومه وعقله وقلبه. في قرارها الأخير، لم تحارب التكنولوجيا، بل دافعت عن شيء أقدس حق الطفل في أن يعيش طفولته إنساناً، لا مستخدماً.
حين تحظر دولة بحجم أستراليا استخدام منصات التواصل الاجتماعي لمن هم دون السادسة عشرة، فهي لا تعادي التكنولوجيا، بل تحاول إنقاذ ما تبقى من الطفولة. كأنها تقول أطفالنا ليسوا فئران تجارب لخوارزميات صُممت لتدمنهم، ولا مشاريع أرباح لشركات عملاقة.
الطفل الذي كان يركض في الشارع، يصنع لعبته بيده، ويعود إلى البيت متعبا وسعيدا، أصبح اليوم يجلس لساعات أمام شاشة، يبتلع صورا ومقاطع لا تنتهي، ويقارن نفسه بآخرين لا يشبهونه، فيكبر داخله شعور خفي بالنقص، بالقلق، وبأنه غير كافٍ. وهذا أخطر ما في الأمر (أننا نخسر الطفولة بصمت) .
قرار أستراليا إنساني قبل أن يكون قانونيا. هو اعتراف بأن الطفل لا يملك الأدوات النفسية التي تمكّنه من مقاومة الإدمان الرقمي، وأن تحميله أو تحميل أسرته وحدها مسؤولية المواجهة ظلم كبير.
لأول مرة، تُوجَّه المسؤولية إلى مكانها الحقيقي الشركات التي تعرف جيدا كيف تصنع الإدمان، وكيف تربط الانتباه بالمكافأة، وكيف تحبس العقل داخل دائرة لا تنتهي من التمرير والمشاهدة.
ثلاثة وثلاثون مليون دولار غرامة ليست رقماً، بل رسالة مفادها أرباحكم لا تبرر إيذاء أطفالنا.
نحن لا نبالغ حين نقول إن الأمر لم يعد مسألة ترفيه. نحن نتحدث عن قلق مبكر، اكتئاب صامت، عزلة داخل غرفة مزدحمة بالإنترنت، وأطفال لا يعرفون كيف يعبّرون عن مشاعرهم إلا عبر رموز تعبيرية. نتحدث عن جيل يتعلم الحب من المقاطع، والثقة بالنفس من عدد الإعجابات، والقيمة الإنسانية من نظرة الآخرين له.
أستراليا أعادت الاعتبار لفكرة بسيطة جدا، الطفل يحتاج إلى بشر أكثر، وشاشات أقل. يحتاج إلى حضن، لا إلى خوارزمية. إلى حوار، لا إلى ترند. إلى وقت ضائع في اللعب، لا إلى وقت مستثمر في التصفح.
ومن هنا، يصبح السؤال موجعاً: لماذا لا تتحرك بقية دول العالم؟ لماذا ننتظر حتى تتفاقم الجراح؟ لماذا نترك أبناءنا وحدهم في ساحة رقمية غير عادلة، بينما نكتفي بالنصح والمواعظ؟
ليس المطلوب إغلاق العالم أو العودة إلى الوراء. المطلوب شجاعة أخلاقية. أن نقول إن التكنولوجيا يجب أن تُضبط، لا أن تترك بلا حدود. أن نعترف أن الطفولة مرحلة هشّة، لا يجوز تعريضها لقسوة السوق الرقمية.
ما فعلته أستراليا يشبه أمًّا انتزعت الهاتف من يد طفلها قائلة: أنا أعرف أنك غاضب الآن، لكنني أفعل هذا لأنني أحبك. وربما سيغضب كثيرون، وستحتج الشركات، وسيُقال إن هذا تقييد للحرية. لكن أي حرية تلك التي تُبنى على إنهاك عقل طفل؟
العالم بحاجة لأن يتعلم من أستراليا. ليس لأنها الأقوى، بل لأنها الأصدق في هذه اللحظة. لأنها اختارت الإنسان قبل الربح، والطفولة قبل السوق.
فالأوطان التي تحمي أطفالها اليوم، تحمي روحها غداً.