غسان برنجي
لم يعد الحديث عن الحكومة الرقمية في العالم الحديث حديث أدوات أو منصات أو تطبيقات. هذه المرحلة انتهت منذ اللحظة التي أدركت فيها الدول الجادة أن رقمنة الخدمات لا تعني بالضرورة تحديث الدولة، وأن نقل المعاملة من الورق إلى الشاشة لا يصنع حكومة ذكية، بل قد يصنع نسخة أسرع من التعقيد القديم.
في التجربة السعودية، كان هذا الإدراك مبكرًا، وحاسمًا، ومكلفًا في قراراته، ومن هنا بدأ التحول الحقيقي نحو مفهوم أعمق وأخطر: التميّز الرقمي بوصفه قرار دولة لا مشروع تقنية.
في البدايات، كانت الحكومة - كغيرها - تسأل: كيف نُؤتمت؟ كيف نسرّع؟ كيف نواكب؟ لكن مع الوقت، تغيّر السؤال جذريًا. لم يعد السؤال عن «كيف نستخدم التقنية»، بل عن «كيف نفكّر بها». هذا التحول في صياغة السؤال هو ما فصل بين التحول الرقمي كمرحلة تشغيلية، والتميّز الرقمي كمرحلة سيادية تعيد تعريف علاقة الدولة بمؤسساتها، وبمواطنيها، وبالمستقبل الذي تصنعه.
التميّز الرقمي في التجربة السعودية لم يُطرح كحزمة معايير جامدة، ولا كسباق تصنيفات دولية، بل كإطار شامل يعيد ترتيب الأولويات من الداخل. إطار يبدأ من الاستراتيجية، ويمر بالبنية المؤسسية، ويصل إلى العمليات، والتقنية، والموارد، والإنسان.
الأهم من ذلك أنه لا ينظر إلى الحكومة بوصفها جهة مقدمة للخدمة فقط، بل بوصفها منظومة قرار تعمل في زمن متغير، وتحتاج أن تتعلم، وتتكيّف، وتصحّح نفسها باستمرار.
في النموذج التقليدي، كانت الحكومة الرقمية تُقاس بعدد الخدمات الإلكترونية، وبنسب الإنجاز، وبمعدلات الاستخدام. لكن هذه المؤشرات، على أهميتها، بقيت سطحية إذا لم تُسند بسؤال أعمق: هل القرار نفسه يُتخذ بطريقة رقمية؟ هل البيانات تدخل في صناعة السياسة العامة؟ هل الأنظمة تتكامل أم تتجاور؟ وهل المؤسسة قادرة على التغيير دون أن تنهار؟
هنا تحديدًا يظهر الفرق بين حكومة تستخدم التقنية، ودولة تتقنها. الدولة التي تتقن التقنية لا تتعامل معها كطبقة إضافية، بل كبنية تحتية ذهنية قبل أن تكون تقنية. تُعيد تصميم إجراءاتها بناءً على المنطق الرقمي، لا تُرقمن التعقيد، بل تزيله.
لا تسأل كيف ننقل الإجراء، بل لماذا وُجد بهذه الطريقة أصلًا. هذا النوع من الأسئلة هو ما يجعل التميّز الرقمي عملية تفكيك وإعادة بناء، لا عملية تحسين شكلي.
في هذا السياق، يصبح التميّز الرقمي فعل حوكمة قبل أن يكون فعل تقنية. الحوكمة هنا لا تعني الرقابة فقط، بل وضوح الصلاحيات، وتكامل الأدوار، وانسيابية القرار. الحكومة التي لا تعرف من يملك البيانات، ومن يشاركها، ومن يقرر بناءً عليها، لا يمكنها أن تدّعي التميّز مهما امتلكت من منصات.
التجربة السعودية ذهبت إلى هذا العمق. لم تكتفِ بتوحيد الواجهات، بل عملت على توحيد المنطق. لم تكتفِ برفع نضج الخدمات، بل رفعت نضج المؤسسة نفسها. هنا لم يعد الموظف مجرد منفّذ، بل عنصر في منظومة رقمية أوسع، ولم يعد المواطن متلقيًا، بل طرفًا تُبنى التجربة حوله، لا حول الهيكل الإداري.
ومع هذا التحول، تغيّر مفهوم العدالة في الخدمة. لم تعد العدالة أن يحصل الجميع على نفس الإجراء بنفس الخطوات، بل أن يحصل كل فرد على تجربة منصفة، واضحة، ومفهومة. العدالة الرقمية لم تعد مساواة شكلية، بل إنصافًا عمليًا يقلّل الهدر في الوقت، والجهد، والتشتت.
أحد أكثر التحولات حساسية في مسار التميّز الرقمي كان نقل مركز الثقل من «الجهة» إلى «المنظومة». في الماضي، كان نجاح الجهة يقاس داخل حدودها. اليوم، أصبح النجاح الحقيقي هو ما يحدث بين الجهات. التكامل لم يعد خيارًا، بل شرطًا. لأن المواطن لا يعرف من المسؤول، ولا يجب أن يعرف. هو يريد نتيجة، والدولة الحديثة هي التي تتحمل عبء التنسيق بدلًا عنه.
وهنا، يصبح التميّز الرقمي اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على العمل كجسد واحد. اختبارًا للثقة بين الجهات، ولجودة البيانات، ولقدرة الأنظمة على الحديث مع بعضها البعض. وكل خلل في هذا المستوى يظهر مباشرة في تجربة الناس، وفي ثقتهم، وفي تقييمهم للدولة.
التميّز الرقمي كذلك ليس حالة استقرار، بل حالة حركة دائمة. الدولة التي تتوقف عن التطوير تفقد تميزها في لحظة. ولهذا، فإن أحد أهم عناصر التميّز هو بناء القدرة على التغيير المستمر. القدرة على التجريب، على التعلّم من الخطأ، وعلى التعديل دون خوف. هذه الثقافة لا تُشترى، ولا تُفرض بقرار، بل تُبنى عبر قيادة واعية تقبل المراجعة، وتكافئ الصراحة، وتفصل بين المحاسبة والعقاب.
في هذا الإطار، تصبح التقنية أداة تمكين لا غاية. الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، وتحليل البيانات، ليست أهدافًا بحد ذاتها، بل وسائل لدعم قرار أفضل، وخدمة أذكى، وسياسة أكثر دقة. الدولة التي تنجح في هذا التحول لا تنبهر بالأدوات، بل تسأل دائمًا: ماذا أضفنا للإنسان؟ ماذا اختصرنا من تعقيد؟ ماذا منعنا من أخطاء مستقبلية؟
التميّز الرقمي أيضًا يعيد تعريف دور القيادة. القائد في هذا النموذج لا يكتفي بالموافقة، بل يفهم. لا يسأل فقط عن الإنجاز، بل عن المنهج. لا يقيس النجاح بنهاية المشروع، بل باستدامته. لأن المشاريع تنتهي، أما القدرات فتبقى.
ومع الوقت، يتحول التميّز الرقمي إلى عنصر من عناصر السيادة. السيادة هنا لا تُفهم بمعناها التقليدي فقط، بل بمعناها الحديث: سيادة القرار، وسيادة البيانات، وسيادة النموذج. الدولة التي لا تملك بياناتها، ولا تفهمها، ولا تُحللها، لا تملك قرارها كاملًا. ومن هنا، يصبح الاستثمار في التميّز الرقمي استثمارًا في استقلال الدولة وقدرتها على حماية مصالحها.
في التجربة السعودية، لم يكن هذا التحول بلا ثمن. تطلّب قرارات صعبة، وتغيير أنماط عمل راسخة، ومواجهة مقاومة طبيعية لأي تغيير عميق. لكنه في المقابل، أسس لمرحلة جديدة أصبحت فيها الحكومة أكثر قدرة على الاستجابة، وأكثر قربًا من المواطن، وأكثر جاهزية للمستقبل.
اليوم، حين يُنظر إلى التميّز الرقمي في المملكة، لا يُنظر إليه كإنجاز لحظة، بل كمسار. مسار دولة قررت ألا تكتفي بالاستخدام، ولا بالمواكبة، بل بالقيادة. قررت أن تجعل التقنية جزءًا من عقلها، لا مجرد أداة في يدها.
وهنا، يتضح جوهر الفكرة: التميّز الرقمي ليس أن تكون الحكومة رقمية، بل أن تكون الدولة قادرة على التفكير، والتخطيط، واتخاذ القرار في عالم رقمي بلا تردد ولا ارتباك. هذا هو الفرق بين من يلحق بالمستقبل، ومن يصنعه.