خالد محمد الدوس
في عصر تتفجر فيه وسائل التواصل الاجتماعية بالعلاقات المتباينة، نجد أنفسنا أحيانًا منهكين اجتماعيًا..! صار لدينا كثير من «الأصدقاء» الذين نعرف تفاصيل وجباتهم أكثر مما نعرف عن أحلام أبنائنا..!! هذا الفيض الرقمي أوجد.. حاجة ملحة لـ «ريجيم اجتماعي»، ليس عزلة، بل (ترشيد ذكي) للعلاقات الاجتماعية، وتحويلها من كمّ هائل إلى نوعية ثرية تسهم في بناء الفكر والقيم والسلوك الإيجابي. ففي عصر يوصف بأنه (عصر الضغوط)..!! كأمر حتمي فرضته سرعة التحولات الاجتماعية والتغيرات الثقافية والتحديات الاقتصادية.. التي ألقت بظلالها على السنن والقيم الاجتماعية في المجتمع الإنساني المعاصر. وبالتالي كثرت الأمراض الاجتماعية، والمثالب النفسية، والعلل السلوكية في عالمنا اليوم، مما تحتم الامر إلى ظهور أعراض يعاني منها البعض، وبالتالي تحتاج معها إلى «ريجيم اجتماعي»:.!!
ومن هذه الأعراض التي تهدد الصحة النفسية والعضوية.. إرهاق القلوب.. أي حدوث شعور مزمن بالإرهاق بعد كل (تفاعل اجتماعي)، حتى لو كان عبر شاشة الرقمية.. وتحديداً مع «الأشخاص السلبيين»..! كما أن هرمون الحسد والكراهية والشك والغيرة المرضية يرتفع عند (بعض الانماط الشخصية..!!) خصوصا عند متابعة حياة الآخرين المُصورة بكمالها تولّد قلقًا مقارنًا يسرق الطاقة.. كما يحدث تشتيت الذات حين تصبح ردود الأفعال والمحادثات السريعة بديلاً عن الأحاديث الهادفة والتأمل والنقاش الثري.. إلى جانب بناء صداقات الظل وهي بالطبع علاقات تُقاس بالتفاعلات الرقمية (إعجاب، تعليق) بينما يخبو الود الحقيقي.!!
وللباحثين عن وصفة (الريجيم الاجتماعي) على نحو يسهم في بناء علاقات أكثر صحة وإنتاجاً وسعادة وراحة للبال، لابد من التشخيص وفلترة العلاقات الاجتماعية.. فقبل أي ريجيم، نحتاج فحصًا.. ونتساءل.. أي علاقات تملؤنا طاقة وأيها تستنزفنا..؟! إذا علمنا أن العلاقات في مفهومها تأخذ ثلاثة اتجاهات ( مغذية، محايدة، سامة)..!
طبعا لكل إنسان طاقة اجتماعية محددة، مثل الميزانية. حدد عدد المناسبات الأسبوعية التي تناسبك دون إرهاق. لا تخجل من قول «لا، شكرًا» بلباقة. تذكر.. «الرفاهية الحقيقية هي القدرة على اختيار ما يناسبك».
ولذلك تشير الدراسات في علم الاجتماع التربوي أن عمّق علاقاتك مع 2-3 أشخاص تستطيع أن تكون نفسك معهم كليًا، بدلاً من إدارة (20 علاقة سطحية)..!!والأكيد أن الوجبة الدسمة الواحدة أفضل من عشر وجبات سريعة لا تشبع القلب..!
الريجيم لا يعني (التجويع)، بل التغذية السليمة، لكن اختر بعناية، ووسّع دائرة معارفك في مجالات تثريك فكريًا ومهنيًا، وسلوكيا.. ابحث عن «التنوع المغذي» عن أشخاص من خلفيات مختلفة تفتح لك آفاقًا جديدة.. تشبع الفكر وتضئ العقل، وتزيد من طاقتك الإيجابية.
وللريجيم الاجتماعي فوائد تنعكس على الصحة الروحية والنفسية والفكرية والاجتماعية والعضوية.. فهو يمنح طاقة عاطفية أعلى.. والشعور براحة نفسية كبيرة حين تتحرر من ضغوط العلاقات (الفارغة)..! كما يسهم في تحقيق إبداع متجدد للشخص، ومعروف أن الوقت والطاقة المُوفران سيذهبان إلى هواياتك البنائية وأفكارك الشخصية.. هذا إلى جانب بناء علاقات أعمق.. وبالطبع ستنمو روابطك الحقيقية بشكل لا يتخيله من يعيش في الوهم الكمي..! والأهم الإسهام في تحقيق «سلام داخلي» يحقق للشخص السيطرة الحقيقية على «جودة حياته»، فيصبح قراره واعياً وخياره حراً. هذا السلام هو النتيجة الطبيعية للريجيم الاجتماعي. والأكيد أن (الريجيم الاجتماعي) ليس دعوة للانطواء أو الخوف من الآخرين..! إنه فن اختيار العلاقات الإنسانية بعناية، وفلسفة ترى أن الوقت والاهتمام أثمن ما نمنحه في زمن الضجيج، تصبح «القدرة على الترشيد» هي الذكاء العاطفي الجديد..! وكما يقول فيلسوف التنمية البشرية (جيم رون) «أنت متوسط الأشخاص الخمسة الذين تقضي معهم وقتك أكثر».. وهي تلخيص دقيق لفكرة» الريجيم الاجتماعي».. تشير إلى أن قيمتك وأفكارك وطموحاتك ستتأثر حتماً بمن تحيط نفسك بهم. فاحرص على أن يكون اختيارك لهذا المتوسط اختيارًا واعيًا، لا صدفة عابرة. وهذا يعني أن (الريجيم).. ليس قالبًا واحدًا، بل هو رحلة شخصية عملية مستمرة لتنقية البيئة الاجتماعية والنفسية المحيطة بك.. ومن الحكمة أن تبدأ بخطوة، واستمع لاحتياجات قلبك واستثمارات صحتك. فالحياة الاجتماعية الجيدة.. كالنبات يحتاج (تقليمًا) لينمو بشكل أفضل..!!