إبراهيم بن يوسف المالك
في السنوات الأخيرة انتشرت على منصات التواصل، خصوصاً «لينكدإن»، قوائم جذابة من نوع «16 علامة على أنك قائد ذكي عاطفياً». محتوى لطيف، محفّز، وسهل الهضم.. لكنه في الحقيقة يقدم صورة رومانسية وغير دقيقة لجوهر القيادة. فالعاطفة والهدوء واللطف ليست مؤشرات إلزامية للذكاء العاطفي، بل هي جزء صغير جداً من سياق أكبر بكثير.
القيادة -كما يعرفها كل من عاش تفاصيلها- ليست شعارات ولا «سلوكيات إيجابية» تُسجل على هيئة قائمة، بل عملية معقدة تتجاوز الهدوء الظاهر إلى قراءة التوازنات، وضبط الإيقاع، واتخاذ القرارات في لحظات تتداخل فيها المصالح والضغوط والتحديات.
المشكلة في تلك القوائم أنها تصف «السلوك المريح» لا «السلوك القيادي». فمن السهل أن تبدو لطيفاً ومتعاطفاً حين كل شيء يسير كما ينبغي، لكن الذكاء العاطفي الحقيقي يظهر عندما تواجه تضارب مصالح، أو موظفاً لا يحقق المطلوب، أو ضغطاً سياسياً، أو أزمة تحتاج قراراً سريعاً لا يرضي الجميع. في تلك اللحظة بالضبط يُختبر القائد، لا في أيام الهدوء وإدارة الاجتماعات الروتينية.
الإشكالية الأخرى أن تلك القوائم تتجاهل السياق، بينما لا يمكن لقائد محترف أن يستجيب لكل المواقف بالطريقة ذاتها. أحياناً عليك أن تستمع، وأحياناً أن تواجه، وأحياناً أن ترسم خطاً أحمر واضحاً، وأحياناً أن تكسر النمط بالكامل.
الذكاء العاطفي ليس قالباً ثابتاً، بل قدرة على قراءة التوقيت والمزاج العام وما بين السطور.. ثم اتخاذ القرار المناسب.
الأسوأ من ذلك أن هذه القوائم تختزل الذكاء العاطفي في «بوستر تحفيزي»، بينما هو في الواقع قدرة استراتيجية معقدة: القدرة على قراءة الأشخاص، ورصد التوترات، واستشعار اللحظة المناسبة للتحرك، واتخاذ القرار الذي يحمي المنظومة لا المزاج اللحظي.
القيادة الذكية عاطفياً تبدأ بوضع الحدود قبل وضع النبرة؛ لأن الأمان النفسي لا يولد من اللطف فقط، بل من الوضوح والاتساق. وهي لا تهرب من المحادثات الصعبة بحجة التعاطف، بل تستخدم التعاطف للوصول إلى أداء أفضل ومسؤولية أكبر. وهي لا تكتفي بالاستماع، بل تفهم النمط وراء المشكلة. وهي تفصل بين المشاعر الإنسانية والسلوك المهني، فالتعاطف لا يعني القبول بكل شيء.
وفي ذروة الضغوط، حين يرتفع صوت الفوضى، يظل القائد الذكي عاطفياً ثابتاً؛ لأن الاتزان في العاصفة هو الاختبار الحقيقي، لا الابتسامة في الجو الصحو. هدف القائد ليس أن يصبح «مهدئاً عاطفياً» للفريق، بل أن يبني فريقاً ناضجاً قادرًا على تنظيم ذاته، واتخاذ قرارات متوازنة دون أن يتحول القائد إلى مرجع انفعالي دائم.
وفي النهاية، الذكاء العاطفي ليس أن تكون «الألطف» في الغرفة، بل أن تكون الأكثر وعياً بذاتك، والأقدر على قراءة الآخرين، والأكثر اتساقاً في اللحظات التي يصعب فيها الاتساق. تلك هي القيادة الذكية عاطفياً، ليست مهارة ناعمة، بل قدرة استراتيجية تصنع الفارق حين يكون الفارق ضرورياً. والسؤال الذي يبقى:
كيف نمارس نحن -كقادة- ذكاءنا العاطفي عندما تصبح القرارات أصعب، والضغوط أعلى، ولحظة الاختبار أقرب مما نظن؟.