فاطمة آل مبارك
يُعدّ التملّك أداة إستراتيجية تسهم في تشكيل المدن، وصياغة أنماط العيش، وإعادة توزيع الفرص بما يعكس أولويات التنمية. ومن هذا المنظور، يأتي نظام تملّك غير السعوديين للعقار باعتباره تعبيرًا عن تطوّر أدوات الدولة، من تنظيم رقابي تقليدي إلى إدارة سوقية تقوم على المواءمة بين جذب الاستثمار والحفاظ على التوازن الداخلي. فالانفتاح، في هذا السياق، يُمارس بوصفه أداة تنظيمية لإدارة العلاقة بين الإنسان والمكان، ضمن رؤية تنموية طويلة الأمد تنسجم مع منطق التحوّل الاقتصادي وبناء مدن أكثر كفاءة واستدامة.
يمثّل دخول نظام تملّك غير السعوديين للعقار حيّز النفاذ ابتداءً من الثالث من شعبان 1447هـ محطة مفصلية في مسار التحوّل التشريعي للسوق العقاري السعودي، بوصفه حلقة ضمن رؤية أوسع تعيد تعريف وظيفة العقار في الاقتصاد الوطني. فالعقار يتجاوز كونه نشاطًا تقليديًا محكومًا بالعرض والطلب، ليغدو أداة تنموية واستثمارية ذات بعد استراتيجي، قادرة على استقطاب رؤوس الأموال النوعية، وتحفيز سلاسل القيمة المرتبطة بها، وإعادة تشكيل المشهد العمراني والاقتصادي للمملكة ضمن إطار سيادي منضبط يوازن بين الانفتاح الاستثماري وحماية المصالح الوطنية.
القراءة المتأنية لآليات تطبيق النظام تكشف عن إدراك مؤسسي عميق للفارق بين فتح السوق وضبطه. اعتماد بوابة «عقارات السعودية» كمنصة رقمية رسمية موحدة، وربطها المباشر بنظام التسجيل العيني للعقار، يؤسس لمرحلة جديدة من الشفافية والحوكمة، حيث تصبح الملكية واضحة المسار، محمية الحقوق، ومحصنة ضد التلاعب. هذا التحول الرقمي يعد شرطًا بنيويًا لطمأنة المستثمر الأجنبي وبناء الثقة في سوق يتطلع إلى العالمية.
ويبرز التمايز في مسارات التملّك بين المقيمين وغير المقيمين والشركات والكيانات غير السعودية كإشارة على نضج التصميم التنظيمي. فربط غير المقيمين بالممثليات والسفارات لإصدار الهوية الرقمية، وإلزام الكيانات الأجنبية غير الحاضرة محليًا بالتسجيل عبر وزارة الاستثمار والحصول على الرقم الموحد، آلية انتقائية واعية، تحمي السوق من التدفقات العشوائية وتفتح الباب أمام استثمارات طويلة الأجل قادرة على الإضافة النوعية.
أما تنظيم التملّك في الرياض وجدة، والتعامل الخاص مع مكة المكرمة والمدينة المنورة، فيعكس توازنًا دقيقًا بين متطلبات الانفتاح الاقتصادي واعتبارات الخصوصية الدينية والسيادية. الإعلان المرتقب لوثيقة النطاقات الجغرافية يمنح السوق وضوحًا استباقيًا، ويحدّ من القرارات الارتجالية، ويؤسس لبيئة تخطيطية يمكن للمستثمر أن يبني عليها استراتيجياته بثقة. في المدينتين المقدستين، يأتي حصر التملّك على الشركات السعودية والأفراد المسلمين تأكيدًا على أن الانفتاح لا يعني التنازل عن الثوابت، بل إدارتها ضمن إطار تنظيمي واضح.
ومن زاوية أعمق، فإن الأثر المتوقع للنظام لا يقتصر على حجم الاستثمارات، بل يمتد إلى سلوك السوق نفسه. يدفع السوق تدريجيًا نحو نماذج أكثر استدامة، مثل الإسكان المؤسسي المخصص للتأجير، والمشاريع متعددة الاستخدام، والمشاريع السياحية المرتبطة بالتشغيل طويل الأمد. ويعيد التوازن بين العرض والطلب.
واقتصاديًا، ينسجم النظام مع مستهدفات تعظيم مساهمة القطاع العقاري في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، عبر جذب مطورين دوليين يرفعون معايير الجودة، وينقلون الخبرات، ويخلقون طلبًا واسعًا على سلاسل الإمداد المحلية. الأثر هنا تراكمي، لا يتوقف عند المباني، بل يمتد إلى الوظائف النوعية في الهندسة والتخطيط والإدارة والتشغيل، ما يفرض بدوره تحديًا إيجابيًا على منظومة التأهيل الوطنية، ويعزز القيمة المضافة للاقتصاد ككل.
غير أن هذا الانفتاح يضع مسؤولية متزايدة على السياسات العامة، خصوصًا في البعد الاجتماعي. فتح التملّك لغير السعوديين يستدعي تكاملًا دقيقًا مع سياسات الإسكان والأراضي البيضاء والتخطيط الحضري، لضمان ألا تتحول المدن الكبرى إلى مساحات تنافسية مغلقة لصالح رأس المال الأعلى فقط. نجاح النظام يقاس بقدرته على الحفاظ على حق المواطن في السكن الميسر، وتوجيه الاستثمار نحو مناطق النمو الجديدة بدل تكثيفه في الأحياء المشبعة.
وعلى المستوى الإقليمي، يعزّز النظام موقع المملكة ضمن خريطة التنافس الاستثماري العقاري، لكن من زاوية مختلفة. فالسعودية تطرح التملّك كجزء من منظومة متكاملة تقوم على استقرار تشريعي، ومشاريع كبرى، وبنية تحتية متقدمة، وسوق استهلاكية واسعة. هذه المعادلة المركّبة تجعل العقار السعودي نقطة ارتكاز لدخول استثمارات أوسع تمتد إلى قطاعات السياحة والصناعة والخدمات.
في المحصلة، يمكن قراءة نظام تملّك غير السعوديين للعقار بوصفه خطوة تأسيسية نحو سوق عقاري سيادي منفتح، تحكمه القواعد لا الاستثناءات، وتُدار فيه العلاقة بين الدولة والمستثمر والمجتمع ضمن إطار واضح ومتوازن. غير أن التحدي الحقيقي في إطلاق التجربة يتمثل في إدارة نجاحها، وهي المرحلة الأكثر دلالة على نضج التحوّل الذي تشهده المملكة في مسارها الاقتصادي والعمراني.