د. محمد بن إبراهيم الملحم
تحدثت حول أنه فيما سبق من الزمن وحينما سادت فلسفة التفتيش وممارساته وجد أفراد لم تتلبسهم روحها الرقابية الخشنة بل تداخلت معها نظرتهم الإنسانية التي تشكلت أثناء عملهم في التدريس، واستشهدت لذلك بكتاب جميل للمربي الفاضل الأستاذ عبداللطيف بن سعد العقيل رحمه الله بعنوان «مذكرات مفتش إداري» وأستكمل معكم اليوم السياحة في هذا السِّفر الجميل حيث نجده يؤكد في صفحات الكتاب 61-65 أن دور المفتش ليس رقابيًا عقابيًا، بل قيادي تربوي يهدف لتحسين الأداء وتطوير العمل.
فالمفتش شريك في الإصلاح، يتعامل مع المعلمين بروح التعاون والاحترام، ويوازن بين متابعة الإيجابيات ومعالجة السلبيات بأسلوب علمي إنساني، كما ينتقد «السريّة المطلقة» في تقارير التقييم، مبينا أن إشراك المعلّم في ما يُكتب عنه أدعى للعدل، وأقرب للإصلاح وأقدر على تصحيح الأخطاء وتنمية الجوانب الإيجابية، كما يؤكد أن نجاح التفتيش مرهون ببناء الثقة، والرفق، والنصح، والحوار، بحيث يتحول التقويم إلى وسيلة للنمو المهني لا إلى أداة خوف أو إقصاء.
وفيما يلي بعض ما كتب في ذلك حيث يقول «وبعض المفتشين لا أفشي سرًا إن ذكرت أنه يكتب في دفتر الزيارات ملاحظات أو مآخذ تختلف عما يدونه في التقرير، وبعضهم يرى أهمية سرية التقارير حتى لا يعلم المقوم شيئًا عما دون عنه في التقرير..
وعليه، فإنه يحسن مناقشة هؤلاء بالآتي:
1 - لماذا التقارير ذات سرية تامة؟ أليس من الأفضل اطلاع المقوم على ما كتب عنه كي يتلافى الأخطاء؟
2 - لماذا تحصل التناقضات بين ما يكتبه بعض المفتشين في سجل زياراتهم للمدارس، وبين ما يقدم للمسؤولين في مديرية التعليم؟ وهذا بحد ذاته يوقع المفتش بحرج أمام الطرفين (الإدارة التعليمية والإدارة المدرسية)..
ولا بد من إشارة سريعة إلى العاملين في حقل التفتيش بالنقاط التالية: عند اطلاع المقوم عما في التقرير يستحسن ألا يطلع فيه غيره ممن لا علاقة له به؛ مع تعريف المقوم بأخطائه لتفاديها مستقبلاً، وإبراز محاسن المخلص في عمله وهذا يدفعه إلى تقدم أفضل.. وكلما ساد التعامل روح التعاون والرفق والنصح، والاستشارة بين المفتش ومدير المنشأة التعليمية، وبين المدرس الجديد، والموجه القديم، وبين الرئيس ومرؤوسيه في أي عمل كان فإن ذلك يعين كلًا منهم في تأدية واجبه كاملًا..
هذا وقد سبق.. أن قمت بتجربة على المدارس، وذلك بأن أطلع مدير المدرسة أو من ينوب عنه على كل ما دون بالتقرير، سواء أكان ذلك في حالة الشكر والثناء، أو التوجيه والملاحظات مع أهمية توقيع مدير المدرسة أو من ينوب عنه على كل صفحة من صفحات التقرير بعد قراءتها، بل وأدعوه للمناقشة وهو يدرس فقرات التقرير إذا كان يشعر في قراءته أنه قد ظُلم بما قدم عنه أو عن غيره من تقارير أو ملاحظات سجلت لم يطلع عليها أو لم يقتنع بها..
هذا وقد نجحت هذه الفكرة – والحمد لله – الذي يعود له الفضل في ذلك، والإنسان كلما تحرى فعل الخير وحرص عليه، فإنه سيوفقه الله إلى فعله والسعي إليه».
ويتحدث الكاتب في الصفحات 245 إلى 250 عن الشخصية القيادية وضرورة أن تتسم بالصحة والعافية من أي الأمراض التي تحيلها نكبة على المؤسسة والعاملين فيها بدل أن تكون وقودا يدفعهم إلى التميز والتفوق، فيقول «من المسلم به أنه قد يختلف بعض القياديين في الإدارة، سواء أكان ذلك في كفاءاتهم العلمية، أو القدرة الإدارية والفنية، أو في مسألة كيفية اتخاذ القرار..
ومنهم من يملك بعضها ولكن تنقصه الخبرة والبعد عن الحكمة، وقد يتسلم القيادة الإدارية مباشرة بعد الدراسة النظرية، ولم يسبق أن تدرب مع قيادي كان رئيسًا له في العمل الإداري.. كما وأن بعض الإداريين الذين يتطفلون على الإدارة يغفلون عن عملية «الابتكار والتجديد»، بينما هي ضرورية تفرضها عملية التطور..
ومن المؤسف له في هذه السنوات أن يصل إلى القيادة الإدارية بعض الأشخاص الذين – مع دراستهم النظرية في مجال الإدارة – لم يمتلكوا الرصيد الذي يؤهلهم لقيادة سليمة. وتوهم بعضهم أن الدراسات النظرية ستتحقق له كل ما يريد من مثالية في الإدارة.. ومن ثم يصطدم بالواقع فلا يستطيع مواجهة بعض المواقف بل يجبن عنها، وما أكثر المواقف الشجاعة للقيادي الذي تتطلب منه الحل السريع الحاسم، ولكن ضعف الخبرة في تطبيق القيادة، قد يمتلكه الغرور فلا يستشير أحدًا، حتى لا يشار له بالضعف وقلة المعرفة، ولا يستنير بآراء من هم تحت رئاسته، فيقف كريشة في مهب الريح، ويبدأ يتخبط في قراراته التعسفية التي قد تنجح مرة عن طريق الصدفة ، وتعصف بالمؤسسة مرات كثيرة..
فكم من قرار ظالم صدر ونفذ على حساب آلام وتوجعات بعض أفراد المؤسسة!! وكم من مظلوم بددت آماله وأحلامه قرارات الظلم!! وكم من منشأة تفرق العاملون فيها إلى أحزاب يكيد بعضها لبعض والقيادي فيها يتذبذب بين هؤلاء وأولئك، الطاعة معدومة بينهم، والاحترام مفقود من وسطهم.. القيادي الإداري متغطرس مستكبر يظن أن التعالي هو الذي يبني له الاحترام والتقدير!! ومنهم من يتشدق بالمحافظة على الأمانة وهو بعيد عن ذلك.. كثرة الشكاوي من داخل المؤسسة وخارجها تشغل المسؤولين وتهدر أوقات العمل فتضيع عليهم فرص تقدم المؤسسة.
وفي النهاية تفشل كل طرق العلاج من أجل رعونة وحمق المسؤول الإداري ومن ثم.. يظل المسؤول سنوات يقودها وهو كالسم ينخر كيانها، ويحل فيها الخسارة ثم يغادرها ...الخ فتندب حظها العاثر إلى أن يبعث الله لها القيادي الذي يقيل عثرتها».
** **
- مدير عام تعليم سابقاً