عبدالكريم بن دهام الدهام
ليس كل طفل يُمنح مستقبله على طبق من أمان، فبعض الأطفال يكتبون أحلامهم من داخل الألم، ويصوغون طموحاتهم من قلب أزمة كادت أن تسلبهم الحياة.
فالطفل، رغم براءته، يملك قدرة مدهشة على التقاط اللحظة، وتحويلها إلى وعد، والوعد إلى هدف، والهدف إلى واقع.
وسأسرد تجربة ابنتي «منيرة» التي أنولد حلمها من غرفة العمليات، لقد كانت «منيرة» طفلة لم تتجاوز السادسة من عمرها، تعاني من نقص حاد في الحديد، قادها إلى سلوك غريب وخطير: كانت تأكل الإسفنج.
تفاقمت حالتها الصحية حتى وصلت إلى مرحلة حرجة، وأشرفت على الموت. في ذلك اليوم القاسي، وقفت عاجزاً إلا من الدعاء والابتهال إلى الله تعالى.
توسلت لطبيب من الجنسية العربية أن يتريث قبل إجراء العملية، أن يعيد الأشعة، أن يعمل منظاراً جديداً، مؤكداً له ربما أن الإسفنج قد خرج مع نوبة إسهال شديدة بعد المنظار السابق. لكن الرفض كان قاطعاً، والإصرار على إدخال الطفلة غرفة العمليات كان أقسى من أن يُحتمل.
وأمام باب غرفة العمليات، رأت «منيرة» كل شيء. رأت والدها يبكي، يتوسل، ينهار، حتى كاد يقبّل يد الطبيب رجاءً.
ذلك المشهد، بكل ألمه، انطبع في قلب طفلة صغير، ولم يخرج منه أبداً. وفي اللحظة الأخيرة، وافق الطبيب على إعادة الفحص، ثم بعد الفحص خرج ببشرى: «لا وجود للإسفنج في المعدة ولا في الأمعاء». نجت «منيرة»، لكن الأهم، أن شيئاً آخر وُلد بداخلها.
عندما عادت إلى غرفتها، بكت قليلاً، ثم توقفت فجأة، وقالت بحزم طفلٍ عرف معنى الخوف: «بابا، ماما، أنا لن آكل الإسفنج بعد اليوم». ثم أضافت وعداً أكبر من سنّها: «وسأصبح طبيبة بإذن الله».
لم يكن وعداً عابراً. كَبُرت «منيرة»، درست، واجتهدت، وتخرجت طبيبةً في الطب والجراحة، وتدرّبت في أكبر المستشفيات، وتقلدت مناصب قيادية، وهي اليوم تكمل البورد السعودي في تخصص الجراحة. وكل ذلك بدأ من دمعة أب، وموقف لا يُنسى.
أما ابني «عبدالمجيد»، فكان حلمه واضحاً منذ الطفولة، كان يرى نفسه ضابطاً قبل أن يعرف معنى الرتب. يلعب مع أقرانه، يكتب أمام اسمه: الملازم عبدالمجيد، ويهمس في أذن والده: «إن شاء الله سأكون ضابطاً». لكن الحياة اختبرته مبكراً، تغيّر نظام القبول، وأُغلق باب الكلية العسكرية في وجه خريجي الثانوية، كان الخبر صادماً لكنه لم يكن نهاية الحلم.
قال عبدالمجيد بثقة من عرف طريقه: «سأدخل الهندسة، وسأتفوق، ثم أعود من باب آخر». ومرّت السنوات، ستة أعوام من الصبر والاجتهاد.
تخرّج مهندساً، وتقدَّم لدورة الضباط الجامعيين، وقُبِل بفضل الله. وتحقق الحلم، وتخرج ملازم أول مهندس.
هكذا هم الأطفال.. قد تصنع فيهم لحظة واحدة مستقبلاً كاملاً، قد تكون أزمة صحية، دمعة، أو حلم تعرّض للخذلان، لكنها إن وُجد الإيمان، تتحول إلى وعد، والوعد إلى إنجاز.
أبنائي «منيرة» و»عبدالمجيد» لم يكونا استثناء، بل دليل حيَّ على أن الطفل إذا آمن بنفسه، ووجد من يصدّقه، فإن المستحيل يصبح مجرد طريق أطول.