د. فهد بن أحمد النغيمش
قد يستصغر أحدنا أثر فعل يراه ليس ذي بال أو ذا شأن وهو في حقيقته فعل خالد وأثره متعد ولا يكلف إلا يسيراً، أحدثكم عن سرٌّ من أسرار لغات هذا الجسد أُحدثكم عن المفتاح الأول للقلوب المغلقة، عن بَلْسَم الألم ودواء الحزن، أقصر طريق إلى القلوب، وأقرب باب إلى النفوس، بل هي عبادة يؤجر عليها المسلم، تغزو القلوب بلا استئذان وتحدث في ومضة عين..، لكن يبقى ذكرها دهراً. قال ابن عيينة (-رحمه الله-): «البشاشة مصيدة القلوب». ديننا الحنيف الإسلام يحرص دوماً على رسم الابتسامة الدائمة على شفاه المسلمين، سُئل عبد الله بن عمر -: هل كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يضحكون؟ قال: نعم والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبل.
إذا لماذا اختفت الابتسامة من على شفاهنا؟ لماذا أصبحنا نشاهد أقواماً يظنون أن الإسلام عبارة عن تقطيب الجبين وإصدار الأحكام على الناس؟ وبعضهم قد اعتاد ذلك والبعض الآخر يسأل دوما كيف لي أن أتبسم ولدي من الهموم والغموم والاحزان ما تنوء به الجبال؟
قالَ: «السماءُ كئيبةٌ!» وتجهَّما
قلتُ: ابتسمْ يكفي التجهُّمُ في السما!
أضفِ على حياتك في سفرك وإقامتك ابتسامة عريضة واغمر قلبك بالبهجة والفرحة على نفسك ومن حولك وتأسَّ بخير الخلق الذي قال عنه الصحابي عبد الله بن الحارث: (مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-». و قد يسأل أحدنا نفسه: لماذا نبتسم؟ والحقيقة ان الابتسامة في المقام الأول هي لنا ثم لمن حولنا.
نبتسم لنتغلَّب على تيار الضغوط اليوميَّة التي جلبت الكثير من الأمراض: كالسكري والضغط والتوتر والقلق والأزمات القلبيَّة.
نبتسم لنزيد رصيدنا من الحسنات؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: «وتبسُّمك في وجه أخيك صدقة» وكأنما يريد -صلى الله عليه وسلم- أن يدرِّبنا على الابتسامة؛ لتكون سجيةً لنا، فكلما ابتسمت، أُهديت إليك صدقة، فزد من رصيدك من الصدقات؟!
ابتسم فالابتسامة عند النعمة شكر، وعند البلاء رضاً بالقضاء. ولم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكتفيًا بأمر أصحابه بالابتسامة، وحثهم عليها فحسب، بل كانت سمة بارزة له يقول جرير بن عبد الله البجلي أحد صحابته - رضي الله عنه - : «ما رآني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا ابتسم في وجهي».
لقد اكتشف العلماء، والباحثون والأطباء أن للابتسامة (23) فائدة طبية؛ فلها آثار إيجابية على وظيفة القلب والبدن والمخ وتزيد الوجه جمالاً وبهاءً، وتعمل على التخفيف من حموضة المعدة، كما أنها تقهر الأرق والكآبة، بل إن العضلات التي تتحرك عند الابتسامة أقل من العضلات التي تتحرك عند العبوس والكآبة، واترك السؤال لكم: كم عدد العضلات في الوجه التي تتحرك عند الضحك وكم هي عند العبوس والتجهم؟.
وإذا كان نبي الله سليمان عليه السلام قد تبسم لنملة صغيرة في وادٍ مترامي الأطراف عندما سمعها تحذر قومها من جيشه كما قال تعالى: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} (سورة النمل: 19)، فكيف بنا نحن مع من حولنا من البشر؟
ما أحوجنا إلى تبسم الأخ في وجه أخيه والجار في وجه جاره في زمنٍ طغت فيه المادة وكثُرت فيه الصراعات.
ما أحوجنا إلى تبسم المسلم لأخيه المخالف له في المذهب والحزب والمنطقة بدل التنافر والتباغض الذي يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
ما أحوجنا إلى تبسم الرجل في وجه زوجته، والزوجة في وجه زوجها في زمنٍ كثرت فيه المشاكل الاجتماعية فلا ترى إلا عبوس الوجه وتقطيب الجبين وكأنك في حلبة صراع من أجل البقاء، وما أحوجنا إلى تلك الابتسامة من مدير في وجه موظفيه فيكسب قلوبهم ويرفع من عزائمهم بعيداً عن العنجهية والتسلط والكبرياء.
ما أحوجنا إلى تبسم المعلم في وجه تلاميذه يحبب اليهم العلم ويغرس في قلوبهم حُسن الخلق، فالتربية قبل التعليم.
ما أحوجنا إلى البسمة وطلاقة الوجه وانشراح الصدر ولطف الروح ولين الجانب من عالم رباني وداعية إلى الله منصف يسعى لجمع الكلمة ووحدة الصف. ما أحوجنا إلى الابتسامة الصادقة من المسؤول في وجه من يقوم برعايتهم وخدمتهم من غير ما خداع أو كذبٍ أو تزوير، أو وعيد أو تهديد فتحبه قلوبهم وتلهج بالثناء الحسن والدعاء له ألسنتهم... يأتي رجل فقير من المسلمين إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال:
يا عمر الخير جُزيت الجنة
اُكس بُنياتي وأُمهنه
وكُن لنا في ذا الزمان جُنة
اُقسم بالله لتفعلنه
فتبسّم عمر قائلاً: وإذا لم أفعل يكون ماذا؟ قال الرجل:
أبا حفصٍ غداً عني لتُسألنه
يوم تكون الأُعطيات منة
وموقف المسؤول بينهنّ
إما إلي نار وإما إلي جنة
فخلع عمر الجلباب الذي كان يلبسه وقال خذ هذا ليومٍ تكون الأُعطيات منة.
ما أجمل أن نبتسم في وجوه الأيتام والأرامل والمعوزين والمحتاجين في أُمتنا فندخل السرور إلى نفوسهم ونمد يد العون لهم، ونرسم البسمة على شفاههم، وإن ذلك لمن أحب الأعمال وأعظمها أجراً عند الله، فقد صح عنه -صلى الله عليه وسلم- انه قال: «أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربه أو تقضي عنه دينا أو تطرد عنه جوعا»
ما أحوجنا إلى تبسم الرجل في وجه زوجته! والزوجة في وجه زوجها في زمن كثرت فيه المشاكل الاجتماعية فلا ترى إلا عبوس الوجه وتقطيب الجبين وكأنك في حلبة صراع من أجل البقاء!
يقول الصينيون في حكمة يرددونها: (إن الرجل الذي لا يعرف كيف يبتسم لا ينبغي له أن يفتح متجراً)، بل تقوم كثير من الدول المتقدمة والشركات العالمية بإنفاق ملايين الدولارات من أجل تدريب موظفيها على الابتسامة في وجه الزبائن والعملاء وهم بذلك يرجون ثواب الدنيا فكيف بالمسلم عندما يتخلق بهذا الخلق فيجمع بين ثواب الدنيا والآخرة.