أ.د.عثمان بن صالح العامر
كل شيء في حياتنا المعاصرة صار صناعة متخصصة، لها آلتها، وسبل تسويقها، ومراكز الدعاية لها وترويجها، فضلاً عن المنظرين والمصممين وكتاب السيناريو ومشغلي الآلات في سوق العولمة الذي لا يرحم، وفي ظل الثقافة الاستهلاكية المعاصرة صار الذوق هو كذلك صناعة غربية غالباً بعد أن كان ذا صبغة فردية نابعا من الذات، وهوية مجتمعية تعكس ضمير الجماعة و صفتها المتوارثة.
لقد كنا نردد زمناً طويلاً تلك المقولة المشهورة (لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع) وصارت الأذواق اليوم تدور في فلك الموضة وجوداً وعدماً، ليس في الملبس والمأكل والمشرب فحسب بل في جميع مكوناتنا الثقافية للأسف الشديد، صرنا نرى عمليات التجميل والوشم وقصات الشعر وتبدل القيم وتربية القطط والكلب - أجلكم الله- والافتخار بامتلاك الماركات العالمية وشرب القهوة الأمريكية السوداء كل صباح و...،
وهذا كله وما أشبهه كثير لم يأت بناءً على نزوت ذاتية، أو نزعات شخصية، بل هو نتيجة صناعة عالمية محكمة وظفت المشاهير وكثفت الدعايات والاعلانات التي تواكب المرحلة وتدغدغ مشاعر الملايين الذين اعتقدوا أن هذا هو عنوان الحرية التي يبحثون عنها، وأن هذا الصنيع يوصلهم للعالمية، ويحقق لهم الجاذبية ولفت الانتباه .
إننا نعيش زمن الرأسمالية الاقتصادية التي تجاوزت السوق التجاري المعروف الذي هو علاقة بين بائع ومشتر، مستثمر ومستهلك، السوق الخاضع لقانون العرض والطلب لتدخل في نسيجنا الاجتماعي وتكويننا القيمي وسلوكنا الشخصي بناء على عولمة الذوق لدى الجنسين الذكور والإناث على حد سواء، معتبرة أن الإنسان مجرد سلعة هو كذلك خاضع لقانون السوق، ترس في الآت الانتاج، وهذا خلاف ما يعتقده البعض منا من أن هذا الانفتاح يحقق الحرية المنشودة، فهو بصدق يصفد حرياتنا ويفرض المحاكاة والتبعية والرضوخ لصناعة الذائقة العالمية التي أرادها مفكرو هذا النمط الاقتصادي القائم على أساس شرعية الغاب؛ فالقوي يأكل الضعيف، وهذا كله جراء الهزيمة النفسية التي منينا بها للأسف الشديد.
إن لنا أذواقنا الخاصة النابعة من استقلاليتنا الشخصية وهويتنا الوطنية، والمفترض أن تكون هي السياج الذي نحتمي به في مقاومتنا للاستلاب الثقافي والذوبان في الذوق الغازي المواكب لسيل التغيير الشمولي الذي تتبناه قوى الغرب المتحكمة في معادلة السوق العالمي للأسف الشديد.
وللحق فلقيادتنا المباركة جهودها الحثيثة للمحافظة على ذوقنا السعودي المرتكز على نصوصنا الدينية وتاريخنا الوطني وتراثنا المجتمعي الذي نتميز به عن غيرنا، ومع ذلك فما زالت أذواق شريحة عريضة منا أسيرة للصناعة الوافدة التي جعلت التجارة الالكترونية والشركات العالمية المعروفة عابرة القارات هي الحامل الرئيس لمنتجات هذه الصنعة الذائقية التي استطاعت أن تلج كل بيت من بيوتنا، في حين غفلة منا.
الشيء الخطير في هذا اللون من الصناعات أنه يهدم الهوية مع مرور الزمن، ويقضي على الخصوصية الثقافية، ويلغي القوة النابعة من الاعتزاز بالذات الحضارية؛ فالموضة على سبيل المثال تركز على الشكل والمظهر الخارجي دون الولوج إلى العمق الداخلي فيصير الإنسان منصرفاً في كله للمقتنيات الظاهرة، ولا يكترث بمكوناته ومرتكزاته الرئيسة، وهذا ما ينتظره الغرب فينا، حفظ الله ذائقتنا ووقانا آثار رياح التغيير التي تهب علينا من كل حدب وصوب.. وإلى لقاء والسلام.