مبارك بن عوض الدوسري
يظلّ المسجد قلب الحي وروح المجتمع، ومكان السكينة والطمأنينة، حيث يجتمع المصلّون على ذكر الله، وتتآلف القلوب قبل الصفوف؛ غير أن مشاهدات متكررة في بعض المساجد والمصليات تكشف عن سلوكيات سلبية لا تنسجم مع قدسية المكان ولا مع آداب العبادة، الأمر الذي يستدعي الوقوف عندها، لا بقصد الانتقاد بقدر ما هو دعوة للتقويم والتوعية؛ ومن أبرز هذه السلوكيات وضع الأحذية أمام أبواب المساجد بشكل فوضوي، فيما كان يمكن وضعها يميناً ويساراً، أو في الأدراج المخصصة التي وفّرتها بعض المساجد؛ هذا التصرف يعيق الدخول والخروج، ويشوّه المشهد العام للمسجد، ويمكن معالجته بالتوعية المستمرة، ووضع لوحات إرشادية واضحة بعدة لغات عند المداخل؛ كما يلاحظ الاستخدام الخاطئ للمناديل الورقية، سواء بأخذ كميات تفوق الحاجة، أو بإصدار أصوات مزعجة من الأنف أو الحلق تسيء للمصلّين من حولهم؛ والمطلوب هنا ترسيخ ثقافة الذوق العام، وأن النظافة لا تعني إيذاء الآخرين سمعياً أو بصرياً؛ ولا يمكن إغفال مشكلة الروائح الكريهة التي تنبعث من بعض المصلّين، نتيجة إهمال النظافة الشخصية أو ارتداء ملابس غير مناسبة؛ وقد حثّ الإسلام صراحة على الطيب والنظافة، لا سيما في بيوت الله، وهو ما يتطلب حملات توعوية هادئة تذكّر بالحديث الشريف «من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزل مسجدنا»، قياساً على كل ما يؤذي المصلّين.
ومن المظاهر المؤسفة أيضاً عدم احترام المصحف الشريف عند إعادته إلى أماكنه، كأن يُقلب أو يُوضع بطريقة غير لائقة؛ فالمصحف له مكانته وقدسيته، ويجب التعامل معه بعناية واحترام، وهو أمر يمكن تعزيزه عبر كلمات توجيهية قصيرة بعد الصلوات؛ أما مياه الشرب التي يوفّرها المحسنون، فيُساء استخدامها أحياناً؛ إذ يقوم البعض بحمل عدة قوارير، أو ترك الفارغ منها في أماكن الصلاة، أو العبث بالأغلفة الورقية؛ وهذه تصرفات تخالف الأمانة، وتحتاج إلى تذكير بأن هذه المياه وُضعت للحاجة لا للإسراف أو العبث؛ ويُلاحظ كذلك مدّ الأرجل أمام دواليب المصاحف، أو تبليل الإصبع بالريق عند تقليب الصفحات، وهي ممارسات تفتقر للذوق والنظافة، وتنقل الجراثيم، فضلاً عن مخالفتها لآداب المسجد، كما لا تزال الهواتف المحمولة مصدر إزعاج متكرر؛ فعدم وضعها على الصامت أثناء الصلاة، أو الانشغال بتقليبها بين الأذان والإقامة، يشوّش الخشوع ويصرف الانتباه؛ وهنا تبرز أهمية التذكير قبل الإقامة، بلوحات أو تنبيهات لطيفة؛ ومن السلوكيات اللافتة أيضاً التحكم الفردي في فتحات المكيفات؛ حيث يقوم بعض المصلّين بتوجيه الهواء حسب رغبته، متجاهلاً راحة الآخرين؛ والقاعدة هنا واضحة: درء الإزعاج عن الجماعة مقدّم على راحة الفرد، كما انه من السلوكيات المزعجة التسابق على الكراسي الثابتة التي وضعت لمن هم في حاجة لها ، وكذلك رفع الصوت في الحديث داخل المسجد، أو تجاوز الصفوف، أو ترك المخلفات بعد الصلاة، وكلها ممارسات تقلل من هيبة المكان؛ وبالتالي فإنه من المهم ان تتكامل الجهود من أجل إيجاد الحلول بدءاً من التوعية متعددة اللغات عبر لوحات إرشادية عند مداخل المساجد، مروراً بالكلمات القصيرة التي تقدّمها جمعيات توعية الجاليات، وانتهاءً بتعزيز ثقافة القدوة الحسنة، فالسلوك الإيجابي مُعدٍ كما السلوك السلبي.
واختم كلامي بأن المسجد يبقى مدرسة للأخلاق قبل أن يكون مكاناً للصلاة، وحُسن التعامل فيه عبادة لا تقل أجراً عن الصلاة ذاتها؛ واحترامنا لبيوت الله هو انعكاس لاحترامنا لديننا وللآخرين، وهي مسؤولية مشتركة تبدأ بالفرد، وتسمو بالجماعة.