د.محمد بن عبدالرحمن البشر
تذكرت بيتين من الشعر للأعيمى التطيلي، أو إن شئت الأعمى التطيلي، فاستحسنت أن أكتب عنه مرة أخرى، و»تطيلة» بلدة من بلاد الأندلس، واسمها في الواقع تديلة، لكن العرب جعلوها تطيلة لسبب لا أعرفه، ربما أن لغة الفاتحين مع رطانة أهلها جعلتها تأخذ هذا الاسم، واستبدال الحروف موجود في لهجات كثير من البلاد العربية، بل وربما بين بلد واحد داخل كل منطقة، مثل استبدال الجيم بالياء في لغة تميم، أو القاف بالهمزة عند المصريين، أو العين بالقاف في الأحساء، وعدم التفريق بين الضاد والظاء في نجد، أو استبدال الظاء بالزاي في الشام، وغيرها كثير، وفي المغرب العربي يستبدلون الذال بالدال، كما في السودان ومصر والشام، ويستبدلون الثاء بالتاء، والتاء بالطاء في بعض مواقع الحروف في المغرب، لكنهم لا يستبدلون الدال بالطاء كما في تطيلة، وبدل أن نسهب في ذلك نعود إلى شاعرنا، فقد نعت بالأعمى أو الأعيمى، لأنه كان فاقد البصر، مبصر البصيرة، عاش في زمن المرابطين الذين حكموا الأندلس نحو مائة عام، وأخروا سقوط الأندلس مئات الأعوام، لا أحد يعرف تاريخ ولادته ولا تاريخ وفاته على اليقين رغم أن ذكره قد ورد في كتب مشهورة، مثل الذخيرة، وبغية الملتمس، ونكت العميان، وقلائد العقبان، كما تحدث عنه ابن الخطيب، وابن خلدون، والمقرئ في نفح الطيب، لكن القراءات تشير إلى أنه ولد في عام خمسة وثمانين وأربعمائة للهجرة، أما وفاته فهناك من رآها في خمسمائة وخمسة وعشرين، وهناك من أشار إلى أن وفاته في خمسمائة وتسعة وثلاثين، وهذا ما أميل إليه. وقد عاش في إشبيلية الأندلسية، ويطلق عليها حمص تيمناً بحمص الشام، لتشابه جغرافيتها معها، وقد حكمها في عهد الطوائف قاضيها محمد بن إسماعيل بن عباد، ثم ابنه المعتضد المشهور بالجبروت والقسوة، وكان صاحب الوزارتين عنده ابن زيدون الشاعر الرقيق المشهور، وجاء بعده ابنه المعتمد وهو غني عن التعريف، وقد أسقطه المرابطون الذي عاش شاعرنا الأعمى التطيلي في زمانهم، وشاعرنا له صديق شاعر وفي لا يفارقه، يقال له أبو القاسم بن أبي طالب الحضرمي، لقب بعصى الأعمى، لأن الأعمى التطيلي يتكئ عليه، وندعو الله أن يسخر لنا من يتولى أمرنا بالإحسان.
نعود إلى البيتين اللذين قالهما الشاعر:
والناسُ كالناسِ إلا أن تجرِّبَهُمْ
وللبصيرةِ حكمٌ ليس للبصر
كالأيْكِ مُشْتَبِهاتٌ في منابتها
وإنما يقعُ التفضيلُ بالثَّمر
والبيتان واضحان في المعنى والدلالة، والناس كما نراهم متماثلون في هيئاتهم، مختلفون في معادنهم وأخلاقهم، ولا يظهر المعدن النفيس إلا عند التعامل المالي، أو الأسري، أو المرافقة في السفر، أو تغير حال المرء بالثراء، أو المنصب والجاه.. يقول بن زيدون:
وكذا الدهر إذا ما
عزَّ ناسٌ ذلَّ ناسُ
وبنو الأيام أخيافٌ
سراةٌ وخساسُ
ومعنى أخياف أي مختلفون، منهم السراة، ذوي الأخلاق النبيلة، والسمو في التعامل، ومنهم غير ذلك، وشاعرنا الأعمى التطيلي، طرق معظم أغراض الشعر، أكثر من بعضها، مثل المدح الذي يترزق به، أو الهجاء الذي يقدح به من لا يعطيه حتى أنه سُمِّي بشار الغرب، أو الرثاء الذي عبر به عن مآسيه، بفقد زوجته وبعض أولاده، لكنه لم يكثر من الوصف بسبب فقد بصره.