عمرو أبوالعطا
في فجر يوم الأحد، الرابع من يناير 2026، استيقظ العالم على خبرين متزامنين، كل منهما يمثل نقطة تحول عميقة في نسيج الصراع الجيوسياسي، كأن التاريخ نفسه أراد أن يكتب فصلين متوازيين في آن واحد.
الخبر الأول، الأضخم والأكثر صخبًا، جاء من أمريكا اللاتينية، حيث العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو، حدث صاخب سيظل صدى خطاه يتردد في السياسة الدولية.
أما الخبر الثاني، الذى جرى في صمت الليل الإفريقي، فكان محاولة انقلاب فاشلة في بوركينا فاسو، استهدفت الرئيس الانتقالي الشاب، الكابتن إبراهيم تراوري، محاولة لم تكن مجرد تحرك سياسي، بل اختبار لإرادة شعب وأمة، وتجربة حية لإرث سيادة متجددة، كأن التاريخ أعاد نفسه في واغادوغو بطريقة أكثر هدوءًا وخفية.
لقد مثلت هذه المحاولة الفاشلة لحظة فاصلة في مسار بوركينا فاسو، لحظة لم تكتف بتغيير مسار نظام، بل كانت محاولة لإجهاض نموذج سيادي جديد بدأ ينبعث في قلب الساحل الإفريقي، نموذج يستلهم روح المقاومة التاريخية لتوماس سانكارا، روح تتحدى التبعية وتستحضر الكرامة. وفشل المخطط، بفضل يقظة قوات الدفاع والأمن والتفاف الشعب البوركيني بالآلاف حول رئيسه، لم يكن مجرد هزيمة لباريس، بل إعلان مدوٍ بانهيار حقبة «فرنسا- إفريقيا» التقليدية، وتأكيد على أن الشعوب الإفريقية استعادت زمام المبادرة في تقرير مصيرها.
التقارير الأمنية والاستخباراتية كشفت تفاصيل دقيقة عن المخطط الذى كان مقررًا تنفيذه ليلة السبت 3 يناير 2026، مخطط لم يكن تحركًا عسكريًا تقليديًا، بل عملية معقدة تهدف لشل قدرات الدولة وإحداث فوضى شاملة تمهيدًا للاستيلاء على السلطة.
المحور الأول استهدف القوة الضاربة للجيش البوركيني، خصوصًا منظومات الطائرات المسيّرة، التي أثبتت فعاليتها في مواجهة الجماعات المتطرفة، وكان الهدف من تخريبها إثبات «فشل» الجيش وإضعاف الجبهة الأمنية، فتحًا لفرص تدخل خارجي أو عودة القوى القديمة .
المحور الثاني شمل تحركات مجموعات مسلحة لشن هجمات منسقة على مواقع عسكرية حيوية في واغادوغو ومحيطها، لإحداث ذعر وإرباك، وإجبار قوات الدفاع على التشتت بين حماية القصر الرئاسي ومواجهة الهجمات المتزامنة.
أما المحور الثالث، الأكثر خطورة، فكان الدعم الخارجي، حيث أعد المخطط من العاصمة التوغولية لومي، وكان الرئيس الانتقالي السابق بول هنري داميبا يقف خلفه، في إطار علاقات مع دوائر مرتبطة بفرنسا، مع تحضيرات لدخول عناصر أجنبية ومرتزقة لدعم الانقلاب، في أسلوب يعكس التدخل غير المباشر الذى اعتادت باريس استخدامه للحفاظ على نفوذها في الساحل.
وعندما بدأت الأنباء تتسرب عن تحركات مشبوهة وإطلاق نار قرب القصر الرئاسي، كان الرد الشعبي فوريا ومذهلا. خرج الآلاف من المواطنين البوركينيين إلى الشوارع، تجمهروا أمام مقر إقامة الكابتن تراوري، كحائط صد بشري، يعكس عمق العلاقة بين القائد وشعبه، حب متجذر في الوعي التاريخي، لم ينسَ مصير توماس سانكارا الذى اغتيل عام 1987. رسالة الشعب كانت واضحة: «لن يتكرر سانكارا»، إدراك بأن الإطاحة بتراوري تعنى العودة إلى تبعية وفساد، وتدمير حلم السيادة.
لا يمكن فهم ظاهرة الكابتن تراوري بمعزل عن إرث سانكارا، فالتراوري أعاد إحياء الروح السانكارية القائمة على السيادة الوطنية، الكرامة الإفريقية، ومكافحة الفساد والتبعية الأجنبية. منذ وصوله سبتمبر 2022، تبنى خطابًا ثورياً مناهضًا للاستعمار الجديد، أعلن إنهاء الاتفاقيات العسكرية مع فرنسا وطرد القوات الفرنسية عام 2023، وأعاد توجيه السياسة الخارجية نحو شراكات قائمة على الاحترام المتبادل.
الفراغ الذى خلفه الانسحاب الفرنسي لم يدم طويلًا، فبوركينا فاسو، على خطى مالي والنيجر، عززت شراكاتها مع روسيا والصين.
روسيا قدمت الدعم العسكري والتقني لمكافحة الإرهاب، وعززت اتفاقيات نوفمبر 2025 مع بوتين التعاون الأمني والعسكري، ضمانًا للأسلحة والتدريب دون قيود سياسية، بعيدًا عن إملاءات الغرب . الصين ركزت على الشراكة الاقتصادية والبنية التحتية، موارد واستثمارات طويلة الأجل دون التدخل في الشؤون السياسية، نموذج يروق للقادة الأفارقة الجدد، لتوفير الموارد دون المساس بالسيادة.
هذا التحول الاستراتيجي يمثل خروجًا عن الفلك الفرنسي، وهو الدافع الأعمق وراء محاولات باريس المتكررة لزعزعة استقرار نظام تراوري.
بوركينا فاسو بالنسبة لفرنسا تمثل قاعدة استراتيجية، سوقًا تقليديًا، ورمزًا للنفوذ في إفريقيا الفرنكوفونية. منطقة الساحل الإفريقي، وخاصة بوركينا فاسو، كانت جزءًا من مفهوم «فرنسا- إفريقيا»، شبكة علاقات سرية تربط النخب السياسية الفرنسية بنظرائها في المستعمرات السابقة، لكن هذه الشبكة بدأت تتآكل منذ 2020. خسرت فرنسا قاعدتها العسكرية والنفوذ الأمني في 2023، ضربة لمصداقيتها، والشعب رأى أن الوجود الفرنسي لم يقضِ على الجماعات الجهادية، بل ربما زاد المشهد تعقيدًا.
محاولة الانقلاب في يناير 2026 برهنت أن فرنسا لجأت لأدوات التدخل غير المباشر، دعمها المزعوم للرئيس السابق داميبا محاولة يائسة لإعادة ترتيب المشهد السياسي .
التزامن مع العملية الأمريكية في فنزويلا في 3 يناير لم يكن صدفة، القوى الغربية استغلت الحدث الفنزويلي كستار دخان لتنفيذ عملية في إفريقيا،
فنزويلا هدف إستراتيجي للولايات المتحدة، وبوركينا فاسو هدف استراتيجي لفرنسا، كلاهما يمثل تحديًا للهيمنة الغربية.
الرابط الأعمق بين الحدثين هو صراع النماذج السيادية، فشل الانقلاب البوركيني مقابل «نجاح» العملية الأمريكية في فنزويلا يرسل رسالة مزدوجة: في إفريقيا الوعي الشعبي والالتفاف حول القائد أقوى من المؤامرات، وفى العالم تبقى القوى العظمى قادرة على استخدام القوة الغاشمة لكنها تكشف ازدواجية المعايير.
الفشل يعزز تحالف دول الساحل (AES)، الذى يضم بوركينا فاسو ومالي والنيجر، كبديل للمنظمات الموالية لفرنسا، طريقًا للتكامل الأمني والسياسي والاقتصادي، والرسالة واضحة: السيادة والمقاومة المشتركة حماية من التدخلات الخارجية.
رغم الانتصار الشعبي والسياسي، التحديات مستمرة: الجماعات الجهادية ما زالت نشطة، أي إرباك سياسي قد تستغله، كما أن القوى الغربية قد تستخدم الضغط الاقتصادي والإعلامي، ولذلك تعزز بوركينا فاسو شراكاتها مع الصين وروسيا لضمان الاستقرار.
ليلة الانقلاب الفاشلة لم تكن حادثة عابرة، لحظة تاريخية كشفت عمق الصراع الجيوسياسي في إفريقيا.
الشعب الإفريقي، مستلهمًا روح سانكارا، لم يعد يضحى بسيادته، فرنسا خسرت في واغادوغو معركة رمزية، والولايات المتحدة حققت انتصارًا تكتيكيًا في فنزويلا، بينما باريس فشلت في مؤامرتها الخفية. خروج الآلاف في منتصف الليل لحماية الرئيس هو إعلان أن القرار الإفريقي سيظل إفريقيًا، وأن أي محاولة لإعادة عقارب الساعة ستصطدم بالوعي الشعبي والوطنية الصادقة، وبوركينا فاسو أصبحت منارة للسيادة في الساحل، مثالاً لبقية القارة في مواجهة الاستعمار الجديد.