أ.د.محمد بن عبدالعزيز الفيصل
نعيش حالة من التسارع الرهيب في مختلف ميادين الحياة، فمع وجود التقنية الحديثة أصبحنا لا نشعر بمرور الوقت، ولا بركضنا في دروب الدنيا التي تَطبعُ أثرًا عميقًا في أذهاننا، يموت اليوم لكنه قد يحيا غدًا!
ومع هذه الرحلة الزمنية الطويلة تلتصق بذاكرتنا لقطات آنية تكون في حالة من السكون حينًا ولكنها تظل حيّةً في بيت الذكريات؛ فما إن تقع أبصارنا على شيء له صلة غير مباشرة بهذه الذكريات إلا وتشتعل في أذهاننا ومضاتٌ حيّة! هي أشبه ما تكون بالشهب التي تضيء في السماء للحظات، فما تلبث أن تخبو وتختفي؛ لتكون أثرًا بعد عين، بعد أن شغلت راصدي السماء وقاطني الأرض!
بينما كنت أتنقل بين أرفف مكتبتي، وقعت عيني على ديوان أبي تمام بشرح الخطيب التبريزي، الذي اقتنيته من مكتبة المعارف اللبنانية في بيروت، قبل أكثر من خمسة عشر عامًا، وأثناء تصفحي للكتاب استوقفتني أبيات أبي تمام في فتح عمورية، وهي القصيدة التي ألقاها حبيب بن أوس الطائي بين يدي الخليفة العباسي محمد بن هارون الرشيد الملقب بالمعتصم، وهو السلطان القوي الذي حكم الدولة العباسية ثماني سنوات، ولعل مناسبة هذه القصيدة لا تخفى على المتلقين لشهرتها وذيوع صيتها، فقد رسخت هذه الأبيات في ذهني، والتصقت بوجداني قبل أكثر من ربع قرن؛ وما زلت أتذكر درس الأدب العربي في المرحلة الثانوية بثانوية النجاشي في حي الورود بمدينة الرياض، وكان يُدرّس هذه المادة أستاذٌ مخلص، دمث الخلق، كريم السجايا، هو الأستاذ: سليمان بن إبراهيم بن محمد القاسم، وهو من أبناء محافظة ثادق بإقليم المحمل، وقد ولد فيها عام خمسة وثمانين وثلاث مئة وألف من الهجرة النبوية الشريفة، ليتخرج في كلية التربية بجامعة الملك سعود في نهاية العقد الأول من القرن الخامس عشر الهجري، فيفتتح مسيرته التعليمية بالتدريس في متوسطة حنين، ثم في ثانوية النجاشي، مرورًا بثانوية ابن باز، ليختم مسيرته التعليمية بالتدريس في ثانوية السليمانية، ليتقاعد في العام أربعة وثلاثين وأربعمئة وألف من الهجرة بعد مسيرة مشرفة، تجعلنا نقف احترامًا وتقديرًا لهذا الأستاذ الجليل - أطال الله في عمره.
لقد ارتبطت الصورة الذهنية لهذه القصيدة بالأستاذ: سليمان؛ لتكون الإشارة التي أعادتني إلى قاعة الدرس قبل ثمانية وعشرين عامًا! وما زال صداها يتردد في مسامعي حتى هذه اللحظة، وكأنني البارحة أستمع إلى أستاذنا أنا وزملائي وهو يلقي القصيدة بلسان عربي مبين لم أسمع له مثيلاً قط!
لقد تميز القاسم بأسلوب خاص في تدريس الأدب؛ فكان منهجه إلقاء القصيدة ثم شرح أبياتها بعناية شديدة، وبتأنٍّ وحذر، حتى يطمئن إلى استيعابنا جميعًا لمعانيها فيعود بعد ذلك إلى إلقائها من جديد بعد أن أدركنا أنا وزملائي دلالة الأبيات ومقاصدها؛ وعندئذٍ تكون القصيدة أقرب إلى ألبابنا وأدنى إلى أفهامنا، وكان الأستاذ سليمان يُسند لي قراءة القصيدة أمام الطلاب، ولا يعلم أني أحفظها هي وقصائد أخرى متنوعة ضمن القصائد التي كان سيدي الوالد يحثنا على حفظها وفهمها، وهذا سبب ارتباطي الوثيق بالتراث في كل المراحل التعليمية، وما زلتُ أحمد لوالدي هذا الصنيع الذي كان يرهقني في حينه إلا أن أثره قد أسهم في تكوين حصيلتي العلمية.
لقد كانت طريقة التدريس التي ينتهجها الأستاذ: سليمان، تجمع بين تبسيط المعنى، وعمق الفكرة، إلى جانب أسلوبه الفريد الذي أشبه ما يكون بالسهل الممتنع الذي يجعل جميع الطلاب على اختلاف مستوياتهم ومشاربهم يفهمون المعنى ويستوعبون دلالته دون استثناء؛ فكان الأستاذ: سليمان أنموذجًا في الوفاء والإخلاص والصدق، وكان سلوكه قدوة لنا، فهو حريص على توجيه الطلاب وتأصيل القيم النبيلة فيهم؛ وأذكر أنه كان يخصص جزءًا من الدرس للنصح والإرشاد في مختلف شؤون الحياة التي كان يزرعها فينا بخلقه وسلوكه.
هذه ومضات سريعة من ذاكرة حية، سجلت فيها شيئًا من حق أستاذنا سليمان القاسم، علي أنا وزملائي، وأسأل الله العلي القدير أن يديم عليه سابغ نعمائه، وأن يجزيه خير الجزاء.