د. إبراهيم الشمسان أبو أوس
ثانيًا: هو وهي
بنية الضميرين (هو، وهي) كبنية الضمير (أنا) مؤلفة من مقطعين قصيرين (ص ح+ ص ح)، على أن النحويين اختلفوا في وضع الضميرين، وفصّل لنا الأنباري(577ه) هذا الخلاف، قال «ذهب الكوفيون إلى أن الاسم من (هُوَ، وهِيَ) الهاء وحدها. وذهب البصريون إلى أن الهاء والواو من (هُوَ) والهاء والياء من (هِيَ) هما الاسم بمجموعهما»(1). ومن الواضح عزوف النحويين عن اعتبار الحركات في عدّة أحرف اللفظ على الرغم من أن حركتي الضميرين حركة بنية فهي حرف أيضًا؛ فالضمير (هَوَ) بنيته هاء وفتحة وواو وفتحة، والضمير (هِيَ) بنيته هاء وكسرة وياء وفتحة؛ ولكنهم رأوا الفتحة تقوية للعلة، قال ابن يعيش(634ه) «وبُنيت على الفتح تقويةً بالحركة، ولم تضُمّها* إتباعًا لضمّة الهاء، لثِقَل الضمّة على الواو المضموم ما قبلها، وكانت الفتحةُ أخفُّ الحركات»(2).
واحتج الكوفيون بحذف العلتين في التثنية والإفراد، قال الأنباري «أمّا الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أن الاسم هو الهاء وحدها دون الواو والياء أنَّ الواو والياء تحذفان في التثنية، نحو (هما) ولو كانتا أصلًا لما حذفتا. والذي يدل على ذلك أنهما تحذفان في حالة الإفراد أيضًا وتبقى الهاء وحدها، قال الشاعر، وهو العُجَير السَّلُولِي، جاهلي:
[333] فَبَيْنَاهُ يَشْرِي رَحْلَهُ قال قائل:
لمن جَمَلٌ رِخْوُ المِلَاطِ نَجِيبُ
أراد (بَيْنَا هُوَ)»(3). وذكر شواهد أخرى. ومن شواهد حذف الياء «وقال الآخر:
[430] دارٌ لِسُعْدَى إذْهِ مِنْ هَوَاكَا
أراد (إذ هي) فحذف الياء؛ فدل على أن الاسم هو الهاء وحدها»(4).
وعلل الكوفيون الزيادة بقولهم «وإنما زادوا الواو والياء تكثيرًا للاسم، كراهية أن يبقى الاسم على حرف واحد، كما زادوا الواو في قولهم: (ضربتهُو، وأكرمتهُو) وإن كانت الهاء وحدها هي الاسم، فكذلك ههنا»(5).
واحتج البصريون «على أن الواو والياء أصل أنه ضمير منفصل، والضمير المنفصل لا يجوز أن يبنى على حرف واحد؛ لأنه لا بد من الابتداء بحرف والوقف على حرف»(6).
ورُدّ قول الكوفيين بأن (هما) ليس من قبيل التثنية المغنية عن المتعاطفين بل هي صيغة معبرة عن الاثنين، وأما الشواهد فهي من باب الضرورة(7)، ووصف السيرافي الحذف بالقبح(8).
وجاء في الضميرين (هو وهي) لغات، جاء في (جمل النحو) المنسوب للخليل «وفي (هو) ثلاثُ لغاتٍ. يقال: هُوَ، وهُوْ، وهُوَّ. فَأما مَن قَالَ (هُوَ) فَإِنَّهُ كرهَ أَن يكونَ الِاسْمُ على حرفينِ، فعَمَده بِالتَّشْديدِ وَقالَ الشَّاعِر:
وَإِنَّ لِساني شُهْدةٌ يُشتَفى بِها
وَهُوَّ على مَن صَبَّهُ اللهُ عَلْقَمُ
وَأما مَن قالَ (هُوْ) بتسكينِ الواو فإِنَّهُ أخرجَه على مِثَال: مَنْ، وَعَنْ، وَأشباهِ ذلك. وَقالَ الحطيئةُ، يمدح سعيدَ بن العاصِ:
سَعيدٌ، وَمَا يَفعَلْ سَعيدٌ فَإِنَّهُ
نجيبٌ كمَن هُوْ فِي الفَلاة نَجيبُ»(9)
وخصّ ابن يعيش التسكين والتضعيف بالشعر، وقال «والإسكان تخفيفٌ. والتضعيفُ لكرَاهيةِ وقوعِ الواو طَرَفًا، وقبلَها ضمّةٌ»(10).
وأورد ابن يعيش لغات (هي)، قال «وفيها ثلاثُ لغاتٍ: (هِيَ) بتخفيف الياء وفتحِها؛ لِما ذكرناه من إرادةِ تَقْوِية الاسم، و(هِيَّ) بتشديد الياء مبالغةٌ في التقوية، ولِتصير على أبْنيةِ الظاهر، و(هِيْ) بالإسكان تخفيفًا، وهي أضعفُ لغاتها»(11).
ومن شواهد التضعيف ما أورده الصغاني(12):
ألَا هِيَّ أَلَا هِيَّ فَدَعْها فإنَّما
أَتَاكَ وعيدٌ دُونَها ونُذُورُ
ومن شواهد الإسكان ما أورده الصحاري، قال «وهِيْ- بجزم الياء: قال عبيد بن الأبرص الأسدي:
أَخْلَفَ ما بازلًا سديسُها
لا حقةٌ هِيْ ولا نَيوبُ»(13)
ويوقف على الضميرين (هو وهي) بإلحاق هاء السكت، قال السيرافي «وإنما ألحقت الهاء إذا وقفت؛ لأن كلَّ متحرك، ليست حركته إعرابًا، جاز أن يلحق آخرَه هاءٌ في الوقف؛ نحو: «(كيف) و(أين) و(هي) و(هو)؛ فتقول: «(كيفَه) و(أينَه) و(هِيَه) و(هُوَه). قال حسان:
إذا ما ترعرع فينا الغلام
فما إن يقال له من هُوَه»(14)
وفي قوله «جاز أن يلحق آخره هاء في الوقف» إشارة إلى حالة الوقف العامة، وهي حذف الحركة، ولكن الواقع أن الذي يحدث عند الوقف على الضميرين أن المقطع الثاني، أي الواو المفتوحة والياء المفتوحة، يحذف وتمطل حركة المقطع الأول تعويضًا، وهذا كتبها صوتيًّا:
ه ـُـ و ـَـ ) ه ـُـ ? ) ه ـُـ ـُــ
ه ـِـ ي ـَـ ) ه ـِـ ? ) ه ـِـ ـِــ
وهذا موافق للوقف على الضمير (أنَ) بمطل الفتحة (أنا). أو بحصانتها بالهاء (أنَه).
وما ورد من لغات ثلاثة الضمائر هو مستعمل في اللغات المحكية اليوم سوى لغة التسكين في الضمير (أنا).
**__**__**__**__**__**
(1) الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين للأنباري، 2/ 557.
(2) شرح المفصل لابن يعيش، 2/ 308.
(3) الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين للأنباري، 2/ 557.
(4) الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين للأنباري، 2/ 558-559.
(5) الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين للأنباري، 2/ 559.
(6) الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين للأنباري، 2/ 559. وانظر: الأصول في النحو لابن السراج، 3/ 460. وشرح المفصل لابن يعيش، 2/ 308.
(7) الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين للأنباري، 2/ 559، 561.
(8) شرح كتاب سيبويه للسيرافي، 1/ 218.
(9) الجمل في النحو للخليل بن أحمد الفراهيدي، ص267.
(10) شرح المفصل لابن يعيش، 2/ 309.
(11) شرح المفصل لابن يعيش، 2/ 310.
(12) التكملة والذيل والصلة للصغاني، 6/ 549.
(13) الإبانة في اللغة العربية، 4/ 562. وانظر ديوان عبيد بتحقيق حسين نصار، ص17.
(14) شرح كتاب سيبويه للسيرافي، 1/ 99-100.